إيمان القويفلي
يومان فصلا بين مادتين محليتين تتعلقان بالشعية
الأولى كانت البيان الذي صدر على خلفية أحداث بيروت في شهر مايو، و هو ليس بياناًً سياسياًً و لا يتعلق بالمسألة اللبنانية، البيان ديني في منطلقاته و أحكامه و هو يسحب ما حدث في لبنان ليكون تفصيلة صغيرة في مخطط شيعي أوسع و بالطبع، ذو منطلقات عقدية وشواهد تاريخية.
المادّة الأخرى حوار قصير نشر في موقع إخباري إلكتروني مع باحث وشيخ شيعي قال أنه سيكون من الجيّد أن تكون هناك مرجعية محلية يقلدها الشيعة بدلا ً من تقليد مرجعيات في العراق أو إيران، لـِتـُفتي بما يلائم الواقع المحلـّي وتصرّف عوائد الخُمس بأكملها، داخل البلد. كانت هناك ردة فعل ٍ عامة، ومتنوعة تجاه المادّتين، و ما يلفت النظر حقا ً، أن كلتاهما أخذت نصيباًً واسعاًً من الرفض – الأولى بالإجماع و الثانية نسبيا ً – من قـِـبل الطائفة الشيعية، رغم أن مضمون كل منهما يعاكس الأخرى، كما يبدو. أما كما لا يبدو وفي العُمق، فالموضوعان وردّة الفعل تجاههما متشابهان في نقطة ما، كلاهما يثيران سؤالا: هل الشيعة طارئون؟
اللغة التي تشير إلى الشيعة على أساس أنهم "طائفة نبتت" ( هكذاحرفيا) أو جسم دخيل، والعودة بالمسألة إلى الأصول التاريخية وتوظيف الوضع السياسي المعاصر عبر التنويه بارتباط نشأة التشيّع باليهودية و بأحداث تاريخية أخرى لا تحظى بسمعة حَسَنة؛ هذه اللغة لا تصدر عن فهم للشيعة والتشيّع كمُكوّن موجود واقعياً ومرشـّح لأن يستمرّ في الوجود، بكل ما يعنيه هذا من إشغال ٍ دائم لحيّز في الواقع، وما يعنيه هذا الإشغال من رغبات ومطالب وحاجاتٍ راهنة، وتطلعات ٍ مستقبليّة. لغة كهذه تصدر عن فهم للشيعة على مستوى الجذر والمفهوم الأصل، لتذهب إلى أنهم طارئ (وطني وديني)، وتمرر إلى المستقبـِـل رسالة توكيدية بأنهم طارئون. رغم أن نظرة مختلفة للتاريخ تأخذ إلى التفكير في جدوى الإصرار على المعالجة الجذرية و المفاهيمية لـِما وُجـِدَ في الواقع دائما ً و منذ مئات السنين: مجتمع بشريّ حيّ و حقيقي من لحم ٍ و دم. ما هو غريب، أن الشيعة الذين يثير حنقهم هذا الخطاب إلى أقصى درجة، أكّدوا هذه "الطارئية" عن غير قصد و هم يعترضون على استحداث مرجعيّة محلية يُقلدها شيعة السعودية، اعترضوا لأسباب ٍ مختلفة فصّلوها عمليا ً و فقهيا ً، لكن أحد الأسباب اللافتة كان "الحفاظ على وحدة و تكاتف الشيعة حول العالم". بل وهناك من علــّق ظهور المهدي على الوحدة الشيعية، موحيا ً بان للشيعة مشروعهم الوحدوي الخاصّ. و مفهوم "الوحدوية" عموما في هذا الشرق الأوسط، عروبية أو إسلامية، حمل دائما ً مفهوم الوحدة - الغاية، نهاية التاريخ الطوباوية التي تلمّ شمل المتشابهين، التي في سبيل تحقيقها تُحتمل المصاعب و المعوّقات والتجزئات الحالية، تـُحتمل الدولة القطرية والرايات المختلفة. وعندما يحلم الإنسان بالوحدة ضمن كيان ٍ أكبر فإنه يشعر أنه ضمن كيان ٍ جزئي وفي حالة طارئة، أو في شكل طارئ من الوجود، والإيمان يقتضي يقيناً بأنه في طريقة إلى التصحيح، إلى الوحدة. أحقا يشعر الشيعة هكذا؟
من أين يأتي هذا الشعور بأنك طارئ؟ كيف يمكن أن تشعر "المجموعة" الممتدة بوجودها مكانياً و زمانياً، أنها طارئة؟ كيف تستمر المجموعات الأخرى في الشعور بأن هذه المجموعة طارئة بناءً على مسائل جذرية وتاريخية، غاضـّة النظر عن أنّ وجودها ووجودهم باختصار؛ أمرٌ واقع؟ مَن يُحدد ما هو طارئ وما هو أصلي؟ الجذور؟ التاريخ؟ الصوابية؟ مَن يُحدد ما هو الصواب وما هو الخطأ؟ وأي رواية تاريخية تـُعتمد؟ التي يحددها الأقوى؟ ما معنى الوحدة ومغزى التوحيد إذن، بعد كلّ هذا؟ حجّة معيّنة تكررت في ردود الجمهور الشيعي الرافض فكرة المرجعية المحلية: "وكيف سنضمن استقلالية هذه المرجعية وحريتها التامة، والتوكيد على التامة، في التعبير وفي المواقف؟": إنهم يتطلعون إلى سُلطة مستقلة استقلالاً كاملاً. تشعر أنك طارئ عندما لا يمكنكَ الإعلان عن ذاتك، عندما يتعذّر عليك التعبير عنها علناً – بالمعنى الأكثر اتساعا للتعبير. الحرمان من التعبير وممارسة الذات يعني أنها ذات غير مُعترفٍ بها. ويمكن على هذا الأساس لأي أحدٍ أن يشعر ضمن شروط ٍ معيّنة، أنه طارئ: مقيم، مواطن، سني، شيعي، لا ديني. تحديد حريّة التعبير يصنع نوعا من العدالة في توزيع حصصٍ متفاوتة من "الطارئية" على الجميع. وبالمخالطة والاحتكاك: الشيعة الأكثر مرونة و استقراراً و شعوراً بالطارئية عادة أشخاصٌ لا يُفسّرون كل ما يحدث لهم على أساس المذهب، قادرون على رؤية أنهم والآخرين في بعض الحالات شركاء همّ واحد. و أن الطائفة لا يمكنها أن تكون تفسيرا وحيداً كافيا لكل شيء.
هناك وقت كبير يُهدر في تفسير الأشياء حتى تلك التي لا تــَحتــَمل، على أساس أنها تمييز طائفي. حتى تلك التي تحدث بشكل ٍ عشوائي ودون تمييز. و وقتٌ كبيرٌ يُهدر في المطامح غير الممكنة واقعيا ً، كالاستقلالية التامة وحرية التعبير التامة، مُـعمّقة الشعور بالأسى والطارئية. وهذه الأخيرة ليست وهما. الواقع مثقل بالتفاصيل التي تعززها وتتعامل مع الشيعة كطارئ، كالبيان الذي ابتدأت به، كتفاصيل كثيرة أخرى. لكن لماذا تنشغل الطائفة بالبحث عند الآخرين عن شعورها بالانتماء والتجذر ولا تقوم ببحث ٍ مواز ٍ في الذات؟ ولماذا تحلم بالبعيد وبما أيدي الآخرين وتأنف من الممكن الذي بيدها؟ ولماذا يتكلفون مناقضة ذواتهم من أجل الدفاع عن الارتباط بالمرجعيات الخارجية؟ (التأكيد ضمن نفس السياق على أنه لا خوف من المرجعية الخارجية لأن العلاقة بالمرجعية بطبيعتها غير قابلة للتسييس، لكن في معرض رفض فكرة المرجعية المحلية يكون ذلك لئلا تـُـسيّس المرجعية وتـُـكبل وتـُـحتوى). فكرة المرجعية المحلية ممكنة "و إن طال الزمن لتتحقق"، كما نوّه صاحب الاقتراح. وصاحب الاقتراح باحث شيعي وليس دسيسة ولا يمثل سلطة خارجية ما. و الفكرة لها سندٌ تاريخي وأسلافٌ محليون، وهو أمرٌ يعود إلى اختيار الطائفة. فلـِـمَ استقبلوها بغير ترحاب ٍ، حتى استدعى الأمر من الباحث أن يعود ليُفنـّد و يوضح وينفي؟ عندما لا تسلك الطائفة تجاه وجودها على أنه أمرٌ واقع و راسخ وممتدّ إلى ما نهاية، فمن سيفعل؟ يحتاج المرء أحياناً إلى غرس جذوره بيديه.
لا يُصبح البيت بيتك و لو اشتريته وأودعت صكّ الشراء في خزنة، حتى تأخذ مسمارا وتدقهُ في إحد الجدران وتعلق عليه صورة عائلية. في الملمات سيكون من الصعب عليك أن تصل إلى قعر الخزنة العميق؛ لكنك ستتمكن دائما من الإشارة إلى الحائط حيث صورة عائلتك، حيث ستثبت الوجوه الأليفة بكل سهولة وهدوء، أن البيت لك.
*خاص بموقع "العربية.نت"
|
