طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 01 رجب 1429هـ - 04 يوليو 2008م
الدكتور المسيري:. شامخا كملك.. بريئا كطفل!
 

هاني نسيرة

منذ أسبوع أو أقل كنت على الهاتف معه أسأله عن صحته، لاحظت أنه مجهد كثيرا هذه المرة.

توقعت أنها ربما تكون وعكة، كسوابقها، سريعا ما سينتصر عليها، ويعود ليواصل مشاريعه ونشاطاته، ستستمر بسمته، لم أتصور يوما أن تنقطع، لكن كان صوته هذه المرة غريبا، كان كمن يقول لقد قررت الرحيل.. لن تسمع بسمتي.. الآن فقط فهمت بعد أن أخبرني صديقي بخبر وفاته!

هل نلت بعضا مما تستحق؟

بعد أن نشر موقع العربية. نت تقريرا عن مرضه العضال العام الماضي، أتت التعليقات من كل صوب وحدب تعبر عن حبه، كان سعيدا بها، قلت له مداعبا: ألا يكفيك كل هذا الحب، ستكون أقوى من المرض من أجل من يحبونك! فرد قائلا: ولكني أحبهم أكثر!!
رحل المسيري بعد رحلة عامرة بالمعنى، فوارة بالحياة والبناء، رحل بعد أن ترجمت كتبه للغات عدة، ونوقشت عنه أطروحات جامعية عديدة، رحل وهو ثابت عند مواقفه، لم توهنه صحراء الدنيا ولم تغره حسناؤها، رحل شامخا كملك بريئا كطفل!

المشروع النظري الأهم

في حوار مع أستاذ كبير، أعرف أنه وقف ضد المسيري موقفا عنيفا يوما ما؛ حيث كان صاحب قرار إقالة المسيري من مركز الدراسات السياسية بالأهرام، بعد عودة المسيري من أمريكا في أواخر السبعينيات، ورحيل هيكل عن الأهرام، وكانت هناك رغبة في تغيير كل المختلفين مع توجهات المركز الجديدة، وقد ذكر المسيري رحمه الله القصة في سيرته الذاتية (الجذور والثمار) دون أن يصرح باسم صديقنا، فهو ليس من هواة الانتقام أو التشفي! فرغم ذهاب المسيري له طالبا عودته للعمل في وحدة الدراسات الصهيونية التي أسسها في المركز، إلا أن صاحبنا قال له "عودتك تعنب الفشل، وأننا لم نصنع أي تطوير". وصار المسيري يدخل الأهرام كأي زائر، شريطة أن تستخرج له سكرتيرته السابقة تصريحا بالدخول!
في مكتب هذا الرجل، كان لقاؤنا، وأتى الحديث عن أزمة العقل النظري في مصر بالخصوص الآن؟ تحفظ تجاه كل من ذكرتهم، فمنهم من لم يواصل، ومنهم من هزمته السياسة، ومنهم من هزمه الغرور، ومنهم من صار خطيبا فقط، ونسي عالم الأفكار.. هكذا أتت تقييماته للجميع سلبية، باستثناء واحد لم ينبس ببنت شفة واحدة ضده هو عبد الوهاب المسيري، وقال لي "ولكن هل يكفي أن نحترم عقلا نظريا واحدا في مصر، هو عبد الوهاب المسيري؟"
أخبرت المسيري بالحكاية فابتسم كعادته، وأكد لي أنه الشخص الذي لم أعتبر عودته فشلا فيما سبق، حين أقاله من الأهرام، فرغم غبن البعض إلا أن الحق باق وقديم!!
في أية زيارة للقاهرة كان أول ترتيب أرتبه هو زيارتي للمسيري، لماذا؟ لأنه كان يجسد عندي الوطن!! كان شخصا من معنى، من أريج، ليس فقط لقيمته الفكرية، وهي حقيقة لا ينكرها إلا جاحد، ولكن لقيمته الإنسانية أولا، فقد كان واحة تجمعنا، وروحا تلملم شتاتنا، ومثقفا يعرف كيف يكون ملكا لقناعاته فقط، ملكا لمثله.. وليس ملكا لأحد!

أستاذ كوالد
كان المسيري رحمه الله مدرسة لم تكف يوما عن تخريج التلامذة، تلامذة من كل اتجاه، وأبناء من كل جيل، تبنانا جميعا، حين فقدنا آباءنا، وكنا أجيالا بلا أساتذة، تبحث عن الوضوح، ساعدنا جميعا حين عزت على الأقربين المساعدة، أعطانا ولم ينتظر مقابلا، علمنا كيف نبتسم وكيف نحترم وكيف نختلف وكيف نحس بالمثال رغم بذاءة الواقع، وكيف نستنطق الجمال في مسار العبور، لم يعطنا فقط الثقة في أن نفكر أو نختلف معه، حين كان يسألنا -وهو يعرف- أو يعلمنا وهو يسأل!
بل أعطانا بعض ما لا يعطيه سوى الوالدين، أعطانا الدفء والحنان، أعطانا الاهتمام الذي لا يكون مثله إلا من كبير.

كثيرا ما كان يهاتفني، وأنا متواجد في دبي، ليطمئن فقط، ليسأل فقط، ليحضنك فقط، ليقول لك: كيف أنت، افتقدتك منذ فترة! كأنه كان يقول لي كن قويا يا بني؟ هكذا كان المسيري والدا، ولم يكن فقط أستاذا!

كان يحترم اختلاف التلامذة والأساتذة، مصرا على اكتشاف الجميع، فهذا الاكتشاف هو سبيل ابتلاع الحقيقة كما هي، على حسب تعبيراته، لم أره مرة يسيء لمختلف، يتجنب الأحكام الحدية، بشكل كبير، كان يذكر الجميع باحترام هكذا عرفته يحب محمود العالم، ويحترم حسن حنفي، ويقدر عابد الجابري، كما كانت تنساب ذكرياته جميلة عن رفقاء دراسته وبعثته كذلك مثل الدكتور أسامه الباز والدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور علي الدين هلال والدكتور قدري حفني، بكل حب، سواء من استمرت علاقته بهم، أم من تفرقت بينه وبينهم السبل، كما كان يشير كذلك ويذكر بكل إجلال وتقدير مجايليه مثل الأستاذ المستشار طارق البشري والدكتور محمد سليم العوا والدكتور محمد عمارة، والأستاذ بهاء طاهر، وغيرهم.. كان دائما بسيطا بريئا كطفل، شامخا كملك!

أشهد أن مواقفه حتى أكثرها محافظة يوما ناتجة عن مواقف ذاتية ولكن كانت نتاج قناعاته وقناعاته فقط، فقد كان ملكا نجلس حوله ومعه، ومع زوجته الفاضلة الدكتورة هدى، فكأنك تجلس في بيتك!

ديوان المديرية

نعم كان بيتنا.. فلست أنسى حين قررت، ومعي بعض الأصدقاء أن نكرم صديقا مغربيا أنهى دراسته في القاهرة، قبل عودته للمغرب، هو الأخ عبد السلام طويل، لم أجد سوى بيت المسيري متسعا لنا، لم أجد سوى ديوان المديرية كما يسميه، ويضع لوحة "ديوان المديرية" أمام مدخله، كان الديوان الذي يجمعنا ونستضيف فيه من شئنا ومتى شئنا دون أن نستعد بشيء! كان ديوان المديرية.. حين غاب دور المديريات ودواوينها في الرعاية الحقيقية للأفكار وأصحابها!

كان يجمعنا صالونه أحيانا، نتبادل الأفكار والأخبار، نتناقش دون أن يمارس أحد على أحد وصايته، نجلس جميعا حوله، وهو بيننا والديوان يشع بالحيوية والكرم؛ حيث كل شيء يتحرك عقولنا، كتبنا، روحه بيننا وهو جالس..

هوبه والنكتة

كان يدلِّله بعض الأقربين باسم "هوبة" دون ألقاب.. كان عاشقا للنكتة ساردا عبقريا لها، ومرتئيا أنها تعبير من الممكن قراءته فلسفيا لحد بعيد، وظني له كتاب أخير عنها في القاهرة..

سكنه الطفل، لم تغادره ذكريات الطفولة في دمنهور؛ حيث ولد ويعود الآن رحمه الله، كتب قصصا للأطفال كثيرة، كما كتب الشعر، امتدت مساحات اهتماماته، ربط بين ريف دمنهور، ونموذج الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة في تحليل المجتمعات الحديثة وما بعد الحديثة، رفض نظرية المؤامرة في الصراع العربي الإسرائيلي، وأكد في موسوعته على التعامل مع اليهود كجماعات وظيفية وليس كجماعات إيديولوجية أو أصولية، لم ينكر الهولوكست، ولم يؤمن ببروتوكولات حكماء صهيون..

كان مؤمنا.. كل الإيمان ولكن كان عقلانيا وإنسانيا أكمل ما تكون العقلنة وأجمل ما تكون الأنسنة..

لست أبالغ حين أقول إن المسيري، ومعه زمرة قليلة من الصحب، هم أجمل ما في الوطن، هم من تشتاق إليهم حين تبتعد، ومن نحترمهم مهما اختلفنا معهم.
كان تجسيدا لجمال المصرية حين تجتمع طرافتها مع عمقها ودقتها، بعيدا عن منطق العلاقات والمصالح الذاتية الذي صار طريق النجاح والشهرة لبعض المتسلقين هنا وهناك.

*خاص بموقع "العربية.نت"

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟

الاسم: 

عنوان التعليق: 

نص التعليق: