طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 21 رجب 1429هـ - 24 يوليو 2008م

زيارة الحريري إلى بغداد والنجف.. والدور العربي في العراق

 

فاضل الكفائي

لا يمكن الاستفاضة في الكلام عن الدور العربي في العراق دون استخدام تصنيفات مذهبية فرضتها على الواقع مضاعفات الاحتلال الأمريكي والتدخل الإيراني في العراق وردود الافعال عليهما.. فليلتمس لي القارئ عذرا عندما استعين ببعض هذه المسميات الطائفية.

بعد تسمية كل من الاردن والامارات العربية والكويت لسفرائها في بغداد، جاءت زيارة زعيم كتلة المستقبل النائب سعد الدين الحريري الى بغداد لتحمل اشارات واضحة على جدية المسعى العربي لاعادة احتضان العراق من قبل اخوته العرب، بعد قطيعة طويلة أزعم أنها لم تبدأ مع الاحتلال الامريكي، بل مع غزو الكويت.

يبدو ان الساسة العرب أدركوا اخيرا ان العودة العربية الى العراق ليست مطلبا حكوميا عراقيا وأمريكياً بقدر ما هي مطلبا شعبيا عراقيا. لقد بات الشيعة قبل السنة في العراق يئنون تحت الاختراقات الايرانية السياسية منها والاقتصادية وحتى الثقافية ولمدة خمسة اعوام تحت انظار الحكومات العربية التي اكتفت بالتفرج، متعللة بالاحتلال تارة وبمقاطعة الحكومة المدعومة ايرانيا تارة أخرى، متجاهلة حقيقة ان هذه الحكومة لم تنتخب إلا في ظروف حرجة لم تكن اهداف الاحزاب الموالية لايران فيها واضحة للبسطاء وهم كثر.

كما ان الشعب العراقي في تلك المرحلة وخصوصا العرب الشيعة كانوا لايزالون يداوون جراح عميقة خلفها العهد الدموي للنظام السابق الذي سرق خيرة شباب العراق بالاعدامات والمقابر الجماعية، مخلفا لملايين من الايتام والارامل وبنفس التهمة الجديدة القديمة: الولاء لايران. وزاد الاعلام العربي آنذاك الطين بلة حينما تجاهل متعمداً أخبار المقابر الجماعية التي كانت تظهر تباعا مظهرة لعظام الشباب والشيوخ والنساء والاطفال، الامر الذي أقنع الكثير من الشيعة حينئذ بعدم جدوى التمسك بأخوة طرفهم الآخر لا يشعر بالتعاطف مع هذه المصائب الجليلة. وبعيدة عن هذا كله، فالمراقبون مجمعون ان الانتخابات الاولى والثانية لم تفرز ممثلين حقيقيين للشعب بسبب الفرز الطائفي والعرقي الحاد الذي رافقها. وهذا موضوع يحتاج تفصيل أطول ليس هذا محله.

يجب ان يتنبه العرب الى وجود أغلبية عربية شيعية صامتة في العراق، تمقت التدخل الايراني ولا تملك دعماً إعلامياً او أمنيا للتمكن من التعبير عن سخطها على الاختراقات الايرانية المتواصلة.

ان المبادرة الحريرية – لو صح التعبير- تكشف جرءة وحصافة قلم شاهدناها في أروقة السياسة العربية مؤخراً، حيث ان هذا الرجل لم يكتف بزيارة بغداد بل توغل في العمق العراقي الشيعي متحملا المخاطرة الامنية في مناطق لايران فيها نفوذ واسع، وتوجه ليس الى البصرة مثلا او الحلة بل الى النجف. المركز الروحي للشيعة ليس فقط بالعراق بل في العالم، النجف التي عبر منها قبل أيام آية الله السيستاني في لقائه رئيس الوقف السني العراقي عن خوفه - وهو الرجل الايراني الاصل – على عروبة العراق. وعلى أية حال، فقد أبصر العرب الشيعة في العراق - أخيراً - يداً عربية تمتد بالاخوة والمحبة، فاستقبل أهالي النجف النائب الحريري بالاحضان متسابقين لمصافحته تعبيراً عن أخوة الدم، متمنين ان تكون هذه الزيارة بداية لإعادة الحرارة لعلاقة الأخوّة التي عكّرت صفوها الحواجز التي بناها النظام السابق في الماضي والحواجز التي بنتها الاحزاب الموالية لايران في الحاضر.
وبعيدا عن البعد العاطفي لهذه العلاقة فإن تقويتها تحمل آثاراً استراتيجية هائلة يجب على المسؤولين والمفكرين العرب التنبه لها. ومن هذه الآثار:

1- إزالة التوتر الشعبي الحالي بين السنة والشيعة في الوطن العربي، الأمر الذي من شأنه قطع الطريق على دعاة الفتنة الطائفية من الطرفين، وتجنيب البلاد العربية حروباً أهلية ستعيد، إن حدثت، تشكيل خارطة المنطقة ضمن ما يسمى بنظرية الفوضى البناءة الامريكية-الاسرائيلية.

2- التأسيس لمصالحة وطنية حقيقية بين العرب السنة والشيعة في العراق وبالتالي تهيئة الارضية السياسية الملائمة لظهور تنظيمات سياسية وطنية يُرجى ان تكون البديل الوطني للأحزاب الطائفية الحاكمة خلال الانتخابات البرلمانية القادمة.

3- تحجيم الدور الايراني ليس فقط في العراق بل في المنطقة، من خلال كشف الغطاء عن نظرية الحماية الإيرانية للشيعة في المنطقة بصفتها تزييف متعمد لحقيقة الرغبة التوسعية للحكومة الايرانية، الامر الذي سيدعو بعض الشيعة ممن انخدعوا بالدعاية الايرانية الى إعادة قراءة الاحداث العراقية بصورة واقعية وموضوعية.

4- تشجيع بعض الاحزاب العراقية المتأثرة بالنفوذ الايراني على إعادة حساباتها وتغيير منهجها تجاه القضايا الداخلية والخارجية بطريقة ترجح المصلحة الوطنية على المصلحة الاجنبية.

لقد آن للأصوات المعتدلة الحقيقية ان تعلو على النبرات الطائفية، وقد آن للساسة العرب ان ينتقلوا من مرحلة التذمّر من النفوذ الإيراني في العراق الى مرحلة الخطوات العملية على الأرض، لإنقاذ عروبة العراق، عروبة العراق اليوم ليست مطلباً عاطفياً للعرب داخله وخارجه حسب، بل هي ضرورة استراتيجية أزعم ان صيانتها ستقوي الموقف العربي تجاه كل من إيران وإسرائيل وبالتالي أميركا.

*خاص بـ "العربية.نت"

عودة للأعلى