محمد حسن علوان
يدعو الدكتور عبدالرحيم السلمي إلى إنشاء هيئة رسمية لرعاية حقوق العلماء يكون من مسؤولياتها، حسب ما جاء في مقالتيه المنشورتين في موقع القلم وموقع المسلم، ((... حماية العلماء من اعتداءات الصحافة والإعلام ومقاضاة من يقوم بها)). والدكتور السلمي الذي أسهب في توضيح مكانة العلماء في المجتمعات، ثم في توضيح ما تتعرض له هذه (المكانة) من هجوم شاركت فيه أطراف عديدة منها حسب رأيه (الصوفية، والاستعمار، والعلمانيون، والشيعة... الخ)، لم يذكر أي آلية معتبرة لتحديد قائمة العلماء الذين يجب أن تتولى هذه الهيئة أعمال المحاماة المجانية لهم، واكتفى بذكر شرطين فقط للانضمام لهذه القائمة العاجية: أن يكونوا علماء شريعة، وأن يكونوا من أهل السنة والجماعة!
مقالة الدكتور السلمي من القراءة الأولى تبدو مادة مناسبة لجدل تياري طويل. فمن المتوقع أن يفسرها التيار الديني المحافظ على أنها الخطوة التي طال انتظارها بعدما تأثر تيارهم من تسارع نمو العقل النقدي في المجتمع، الأمر الذي لم يعتادوا عليه في العقود الماضية، بينما يُتوقع أن يفسرها التيار الليبرالي المنفتح على أنه مشروع إنشاء كيان رقابي آخر، إضافةً إلى الكيانات الحالية، مهمته تخويف الكتاب والصحفيين، وقطع دابر النقد، وإعادة تثبيت الدوغمائية والأحادية في ذهنية المجتمع. وما بين التيارين أطيافٌ مختلفة من التوسط والتمذهب سترى في مطالب الدكتور السلمي قراءات مختلفة، لاسيما وأن مقالته هاجمت مذاهب أخرى، وتيارات مختلفة، وأطلقت تشكيلة متنوعة من الاتهامات لأطراف عدة.
وبشكل نظريّ، فإن أي مطالبة بإنشاء مؤسسة حقوقية هي مشروع إيجابي يدعو للتفاؤل بشكل عام. لاسيما وأن إشاعة الثقافة الحقوقية من الأمور القليلة التي تتفق التيارات على وجوبها، وتختلف في كيفيتها. ولو كان ذلك ممكناً، لتمنينا أن تُقام مؤسسة حقوقية لكل من يعيش في هذا الوطن، وهو الأمر الذي انتقد عليه الدكتور السلمي الليبراليين، واتهمهم ضمناً بأنهم (يتظاهرون) بالإنسانية عندما يطالبون بإقامة مؤسسات حقوقية للإنسان والحيوان، كما انتقد الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أنها مشغولة (بالحقوق النسائية)! وهذا يشير إلى أن الدكتور السلمي يملك مشروعاً حقوقياً مختلفاً عن المشاريع الحالية القائمة في أرض الوطن.
الواضح جداً أن الدكتور السلمي يرتكز في مطالبته بإنشاء (هيئة حقوق العلماء) على رؤيتين أساسيتين: الأولى، أن علماء الشريعة من أهل السنة والجماعة يستحقون حصانة حقوقية أعلى من الحصانة الحقوقية التي ينالها أي مواطن ومقيم بما أوتوا من العلم وبأهمية دورهم في المجتمع، والثانية، أن علماء أهل السنة والجماعة لا بواكي لهم عندما يتعرضون للنقد في الصحف والإعلام، مما يستدعي حمايتهم معنوياً وحقوقياً، لأن في حمايتهم حماية للمجتمع.
ورغم الفئوية الضيقة التي يريد الدكتور السلمي أن يطبقها في تعريفه للعلماء، فإن إقامة مؤسسة حقوقية لفئة خاصة هو أمر مقبول عموماً، ومن حق الدكتور السلمي المطالبة بتأسيس (هيئة حقوق علماء الشريعة من السنة)، مثلما أنه من حق أي شخص المطالبة بتأسيس (هيئة حقوق مهندسي الميكانيكا في حقل شيبة) أو (هيئة حقوق ملاك الأحياء العشوائية في جدة). وأتمنى شخصياً أن ينجح الدكتور السلمي في مطالبته ومسعاه شرط أن تكون هذه الهيئة مؤسسة حقوقية فعلاً، تمارس العمل الحقوقي النظامي الذي يحفظ حقوق العلماء دون أن يخل بحقوق الآخرين، وهذا من يتمناه أي حقوقيّ، ولكن هل هذا ما سيكون عليه حال الهيئة إذا تأسست فعلاً على أرض الواقع؟
الذي يجعل إجابة هذا السؤال بالإيجاب صعبة هو أن الدكتور السلمي لوّح بكلمة (المقاضاة) كجزء من آلية الدفاع عن حقوق العلماء، ثم ألمح في عدة مواضع إلى وجوب الرد إعلامياً وتوعوياً على الهجوم الذي يتعرض له العلماء. ولم يوضح كيف يمكن أن تتم هذه (المقاضاة) وهذا (التعاطي الإعلامي)، وحتى تتضح هذه الأبعاد، سنتمنى في أعماقنا ألا تكون النيّات المبطنة هي تحويل الهيئة إلى وحش قانوني مؤذ، ولا إلى آلة بروباجاندا مؤدلجة.
السؤال الذي ينبغي طرحه عند التفكير في إنشاء هيئة كهذه هو: لماذا يرى الدكتور السلمي أن علماء الشريعة السنّة يحتاجون فعلاً إلى هذا الدفاع المؤسساتي؟ أيراهم يمرّون بحالة من الضعف غير المبرر مؤخراً، أم أن ما كانوا عليه سابقاً كان حالة من القوة غير المبررة؟ هل عادت الأمور نسبياً إلى مجراها الطبيعي المتوازن، أم انتكست بشكل غير عادل من وجهة نظر الدكتور؟ ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم يستدعي قيام هذه الهيئة حتى تعيد الأمور إلى نصابها الذي يراه الدكتور السلمي مناسباً؟
لا أعتقد أن قانوناً ما قد أحدثته الدولة مؤخراً تسبب في هذا الضعف الحقوقي للعلماء حتى يتطلَّب الأمر مؤسسات تحميهم، كما أن (الليبراليين) الذين اتهمهم الدكتور بالتآمر على العلماء و(..إقصاء دورهم في المجتمع والجرأة عليهم واحتقارهم وتفكيك وحدتهم، وإثارة الخلافات بينهم..)، ليسوا فئات جديدة في خريطة الوطن الفكرية، وقد كانوا موجودين من قبل عندما لم يكن ثمة حاجة لإقامة مؤسسة حقوقية للعلماء. إذن، بما أن القوانين القضائية ظلت ثابتة، وبما أن (الليبراليين) كانوا هنا منذ بدايات المجتمع، فلم يبق إلا ثلاثة متغيرات يمكن أن يكون قد نتج عنها هذا الظرف الذي يستدعي قيام هيئة حقوق العلماء: المتغير الاجتماعي، والفكري، والثقافية.
إذا كانت هذه المتغيرات الثلاثة هي التي استدعت قيام هذه الهيئة، فماذا تبقى إذن؟ وكيف ستتعامل الهيئة مع متغيرات كبرى كهذه، يصعب التحكم فيها، و التأثير عليها؟ أي الأداتين اللتين لوّح بهما الدكتور السلمي (المقاضاة) و (النساط التوعوي والإعلامي) ستكفل للهيئة تحقيق أهدافها؟ هل ستقاضي الهيئة (المجتمع) بسبب تغيّر نظرته للعلماء عن ذي قبل؟ هل يمكن لأروقة المحاكم وساحات القضاء أن تؤثر فكرياً وثقافياً في الناس بما يضمن للعلماء ولاءً تلقائياً، وحصانة ذاتية؟ هل المقاضاة هي حل استراتيجي فعّال للمشكلة التي يشكو منها الدكتور، أم أنها مجرد فزّاعة لتخويف الطيور الناقدة؟
من الواضح أن المقاضاة ليست الوسيلة المثلى لتحقيق أهداف هذه الهيئة إذن. ولو تمّ تفعيل الخيار القضائي وتسليطه على الإعلام، فسيتحول تدريجياً إلى آليّة تشفٍّ بين التيارات، وخياراً مؤقتاً لتطريب مجموعة متشددة من المريدين، وسيكون المتضرر الأول منها هم (العلماء) أنفسهم الذين قامت الهيئة لحمايتهم، فأساءت لهم من حيث لم تحتسب. لاسيما والجميع يعلم أن القضية التي تُرفع ضد صاحب فكرة ما، هي أفضل مسوّق لفكرته. ولاشك أن القائمين على هذه الهيئة، في حال إنشائها، سينتبهون عاجلاً أو آجلاً إلى ذلك، ولن يبقى أمامهم إلى خيار الإعلام، وبذلك تتحول الهيئة إلى جمعية أهلية ذات أجندة توعوية محددة، تمارس عملها في مساحات إعلامية معتادة.
وحتى تخرج هذه الهيئة إلى النور لا يمكننا أن نحاكم سلوكها بشكل استباقي، ولكن علينا أن نتوقع قيام هيئات أخرى على نفس المنوال، ووفقاً لنفس الدوافع مثل: هيئة حقوق الليبراليين، وهيئة حقوق الصحفيين، وهيئة حقوق كتّاب الرأي، وهيئة حقوق المدوّنين، والتي يبدو، وفقاً لظروف الصراع التياري، أنها ستكون خصوماً عنيدة لهيئة حقوق العلماء التي يطالب بها الدكتور السلمي. وعلى كل حال، فإنه حسب الأسلوب الذي ستمارس به هذه الهيئات نشاطاتها، فمن المتوقع أن ننتهي إما إلى فوضى حقوقية وصراخ إعلامي، أو إلى عالم حقوقي فانتازي يأخذ بأيدينا جميعاً إلى أولى عتبات المجتمع المدني.
* خاص لموقع "العربية.نت" |
