ممدوح طه
لا يمكن قراءة ما يجرى من مواجهة عسكرية بين جورجيا وروسيا إلا في إطار تداعيات لعبة الشطرنج الدولية بين اللاعبين الكبيرين روسيا وأميركا لإعادة تشكيل موازين القوى والمعادلات السياسية الجديدة في فترة ما بعد الحرب الباردة بين دول الحلف الأطلسي بقيادة أميركا والحلف السوفييتي بقيادة روسيا، وما جورجيا في هذه اللعبة الأكبر إلا واحدة من أضعف الأحجار على رقعة الشطرنج الدولية.
وما أقدم عليه الرئيس الجورجي سكاشفيلي من مغامرة عسكرية فاشلة ضد أوسيتيا الجنوبية لضمها بالقوة بالمخالفة للاتفاقات الدولية التي تضمنها روسيا الاتحادية بقوات حفظ سلام عسكرية هي ورطة تفتقر إلى الحسابات السياسية وإلى التقديرات الصحيحة العسكرية لا يمكن وصفها بغير الحماقة التي أدت لا إلى استحالة كسب أوسيتيا فقط. بل خسارة أبخازيا أيضا ونقل المعركة إلى داخل بلاده بين شعبه الذي لا يرغب في حرب ضد الجار القريب والأخ الأكبر، ونظامه الذي يلعب دور مخلب القط ويباشر استفزازات ضد روسيا تنفيذا لطلبات الغرب.. التي سبق أن رفض القيام بها الرئيس السابق (شيفرنادزة ) فانقلبوا عليه فيما يسمى بثورة الورود ونصبوا رجلهم الأكثر ولاء للغرب.
ولم يكن سوى تحريك أميركيا خاطئا للحجر الجورجي خلال زيارة رايس الشهر الماضي لتبليسي في الجبهة الخطأ وفي التوقيت الخطأ وبالحجر الخطأ لجس النبض الروسي بعد فصل كوسوفو إزاء السياسة الأطلسية للتوسع شرقا في دول المحور السوفييتي السابق، وقياسا لرد الفعل الروسي لمشروع الدرع الصاروخية في بولندا.
ولضم جورجيا وأوكرانيا للحلف الأطلسي في تهديد مباشرا للأمن القومي الروسي.. بما أدى إلى توريط وكيل الخدمات في حرب بالوكالة قد تؤدى إلى كارثة أكبر على بلاده وعلى نظامه التابع للغرب عموما ولأميركا وإسرائيل خصوصا.
ولم يكن سوى محاولة لشغل روسيا واستنزافها في حرب إقليمية في القوقاز لشل دورها عن فعل معارض لشن حرب أميركية إسرائيلية ضد إيران وللمقايضة على المواقف بين الملف الإيراني والملف الجورجي، فكانت النتيجة ردا روسيا عسكريا حازما أربك الغرب وأجبر جورجيا على التراجع والاستغاثة بالغرب ولا مجيب.
في تكرار لسيناريو عام 56 حينما افتعلت أحداث المجر لشغل الدور الروسي ولشل قدرته على معارضة العدوان الثلاثي القادم على مصر فكانت النتيجة موقفا روسيا حازما بتوجيه الصواريخ السوفييتية ضد لندن وباريس وتل أبيب أربك الغرب ودفع الأميركان للتخلي عن الحلفاء بما أجبرهم على التراجع.
وعادت جورجيا تستنجد بالغرب بعد أن ورطها ، وهى التي بدأت بالعدوان على أوسيتيا متوهمة التدخل العسكري الأطلسي لحمايتها، في تكرار لدور إسرائيل في العدوان على مصر لتبرير التدخل العسكري الأنجلو فرنسي ضد مصر، لكن فات قيادتها الصغيرة التي لا تقرأ موازين القوى جيدا ولا تعرف أن اللعب مع الكبار كارثة لا يدفع ثمنها إلا الصغار، فلن يغامر الكبار بأية مواجهة مع الكبار من أجل الصغار.
وكشف سكاشفيلي أنها حرب الغرب وحرب جورجيا الأميركية على أوسيتيا الروسية حينما لم يجد منبرا لطلب النجدة بعد هزيمته إلا جريدة وول ستريت جورنال الأميركية حيث حذر الغرب من الثمن الذي قد يدفعه في حال التقاعس عن مساعدة جورجيا وحماية ديمقراطيتها المهددة من قبل روسيا، حسب تعبيره قائلا (إذا سقطت جورجيا فهذا يعني سقوط الغرب أمام روسيا في كل القوقاز وآسيا الوسطى) .. ولا تعليق!.
* نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية |
