عبد الله إسكندر
هكذا، إذن، استقال برويز مشرّف من الرئاسة الباكستانية تحت وطأة المساءلة البرلمانية! وذلك بعد سنوات من الحكم الذي قيلت فيه كل الاوصاف، من حكم عسكري إلى ديكتاتورية واستبداد وتقييد الحريات وخرق الدستور الخ...
وإذا كانت هذه صفات القائد السابق للجيش والرئيس السابق للبلاد، فكيف يمكنه ان يخشى مساءلة برلمانية؟ او بالأحرى لماذا وافق اصلاً على عودة خصومه من المنافي ووافق على اجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها وبمشاركة هؤلاء الخصوم الذين يتمتعون بتأييد شعبي لا جدال فيه، ولم يكن أحد يشك في ان نتيجة هذه الانتخابات ستكون في غير مصلحة حكمه؟
كان مشرّف صاحب مشروع تحديثي لباكستان، وليس مجرد جنرال طامع في الحكم. وفي مشروعه الذي تظل المؤسسة العسكرية عموده الفقري، إعادة تشكيل اللعبة السياسية في البلاد على أساس الحد من نفوذ القوى التقليدية، خصوصا حزب الشعب الذي يتزعمه تقليديا آل بوتو، وحزب الرابطة الاسلامية - جناح رئيس الحكومة السابق نواز شريف. وكذلك الحد من تصاعد الموجة الاصولية المستشرية في البلاد، والتي تداخلت مواجهتها مع الحرب على الارهاب.
والوجه الآخر لهذا المشروع هو التصدي للأزمة الاقتصادية، وهو حقق نجاحات نسبية في هذا الصدد قبل ان تطيحها الأزمة العالمية الأخيرة. وتثبيت سيادة باكستان في المواجهة التقليدية مع الهند، والسعي الى تفادي النزاع المسلح معها، وصولاً الى تسويات سلمية للقضايا العالقة، خصوصاً في كشمير.
هذا المشروع تبلور شيئاً فشيئاً منذ ان قاد مشرف الانقلاب الأبيض على نواز شريف في نهاية التسعينات، وذلك بعد فترة من الاضطراب السياسي المتمثل بالمواجهة الكبيرة بين الراحلة بي نظير بوتو والحكومة، والمحاكمات السياسية تحت عنوان مكافحة الفساد الذي كان شريف وجماعته غارقين فيه، فيما كانت المؤسسة العسكرية مطلقة اليد بحكم رعايتها شبه المطلقة للوضع الافغاني وامتداداته الباكستانية. وبدا لمشرّف انه، بمشروعه الجديد، يمثل «المنقذ» من هذا التردي في البلاد، على كل الصعد. خصوصا ان شيئا لم يكن يضمن انزلاق الصراعات الداخلية الى حال فوضى عامة تهدد سيطرة الدولة على السلاح النووي، وإمكان سيطرة الاصوليين المتشددين عليه. ما سبب قلقاً جدياً في الغرب الذي اندفع الى اعتماد مشرف كضمانة في مواجهة هذا الخطر.
لكن هذا المشروع حمل في ذاته بذور فشله. فمن جهة لم تتمكن الرابطة الاسلامية - جناح القائد الأعظم الموالية لمشرف من تشكيل قوة سياسية قادرة على الاستقطاب والقيادة. ومن جهة اخرى، لم تنجح التيارات الحديثة والليبرالية في تشكيل قوة موازية تستطيع تقديم بديل من القوى التقليدية.
وفي ظل انتعاش غير مسبوق للقوى الاصولية، لم يعد امام مشرف الساعي الى شرعية انتخابية سوى الاتجاه نحو القوى التقليدية التي حاربها. فكان مشروع المصالحة الذي بموجبه عادت بوتو، ومن بعدها شريف، الى البلاد. وبدا لفترة ان هذه المصالحة سيكون مشرف عمادها، لكن اغتيال زعيمة حزب الشعب اطاح هذا المشروع، ليجعل الرئيس الباكستاني السابق في مواجهة حزب الشعب الذي لمح الى مسؤولية مشرف والمؤسسة الامنية في الاغتيال، وهي صاحبة ثأر مع آل بوتو منذ انقلاب الجنرال ضياء الحق على علي بوتو وشنقه. وفي مواجهة شريف العائد للثأر من مشرف الذي اطاحه وسجنه قبل ان ينفيه.
في موازاة ذلك، لم يتمكن مشرف من إقناع مواطنيه ان مشروعه المنخرط في الحرب على الارهاب هو مصلحة باكستانية في الاساس. وفي ظل عشوائية الحرب الاميركية والتصعيد الاصولي في الداخل والرد العسكري في مناطق الشمال الغربي، بدت المساهمة الباكستانية في الحرب على الارهاب وكأنها حرب على المسلمين. وفاقم هذا الشعور العجز عن تقديم حل سياسي اجتماعي تنموي في المناطق التي اتخذها الاصوليون والمتشددون ملاذات آمنة... وبعدما اتضح ان رأس مشرف بات مطلوبا من فئات واسعة من الشعب الباكستاني الذي كوته الازمة الاقتصادية، خصوصا في السنوات الاخيرة، والذي عانى من التلاعب بالقوانين والدستور والتهميش، لم يعد على «المنقذ» الا الخروج، بعدما تخلى طوعا، قبل شهور، عن الأدوات التي كانت تتيح له ان يبقى حاكما كديكتاتور.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
