طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 20 شعبان 1429هـ - 21 أغسطس 2008م
لماذا سقطت "وثيقة التفاهم" الجديدة فور توقيعها؟
 

سمير منصور

ليس في استطاعة اي كان ان يعارض مشروع تفاهم بين طرفين مختلفين، الا اذا كان متضرراً من حصول هذا التفاهم.

هذا في المبدأ. ولكن اي تفاهم، يفترض ان يكون مبنياً على اسس متينة، والا يكون "فرعياً" او جزئياً، بمعنى التفاهم مع جزء من فريق لا مع الكل، ضماناً لنجاجه، وقطعاً للطريق على حديث عن "اختراقات" وما شابه. وهذا ما بدا واضحاً من خلال وثيقة التفاهم التي وقّعت ظهر الاثنين بين "حزب الله" واحدى الجمعيات السلفية، اذ لقيت فور اعلانها معارضة واسعة، ابرزها كان من داخل البيت "السلفي" عند الطرف الآخر المقابل في التوقيع مع "حزب الله".

وكان لافتاً وجيداً، ان معظم الذين انتقدوا الخطوة واعتبروها منقوصة وغير مكتملة، عبّروا في الوقت نفسه عن ترحيبهم بأي تقارب اسلامي – اسلامي، وبعبارة اوضح بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، بعد محاولات متكررة ومضنية للزج بهم في مشروع فتنة لا يسلم منها احد، وكلها، لحسن الحظ، باءت بالفشل. والجميع يتحملون باشكال مختلفة، وان بنسب متفاوتة مسؤولية مباشرة عما آلت اليه الاوضاع على هذا الصعيد، ولا سيما من خلال حملات الشحن والتعبئة والتحريض، بهدف خلق عصبيات عند هذا الطرف او ذاك، لتأمين التفاف حولهم، لغايات ومآرب سياسية واضحة.

وكان من الطبيعي، من خلال اعلان التفاهم اليتيم، استذكار التفاهم الشهير بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، وقد جاء بعد تحضير واف، وكان الى حد ما متكافئاً اقله على المستويين السياسي والنيابي. ولكن احدى ابرز نقاط ضعفه، انه بقي ثنائياً ولم يتعد حدود طرفيه. وكان مستغرباً ان احدهما رئيس "التيار الوطني الحر" النائب ميشال عون، كان من حيث يدري او لا يدري اول المتصدّين للتفاهم الجديد. اذ رحب بأي تفاهم "حتى بين الملائكة والشياطين" وفق تعبيره!.

ولئن يكن التفاهم مضموناً بين طرفين قويين وواسعي التمثيل السياسي والشعبي، فإن "حزب الله" لم يكن موفقاً في اختيار الشريك في التفاهم الجديد. وخير دليل انه سقط فور توقيعه. وهذا الواقع لا يقلل على الاطلاق اهمية المحاولة ولا سيما من الطرف الاضعف فيها، اي جمعية "وقف التراث الاسلامي" السلفية، كما لا يقلل اهمية الهدف الذي كانت المحاولة من اجله، ويفترض ان يكون سامياً، وهو احباط محاولات زرع الفتنة بين المسلمين السنة والشيعة. ولكن هذه الجمعية، رغم انتمائها الى جماعة لها حضورها القوي من "السلفيين"، لم تضمن موافقة غيرها على التفاهم، بمن في ذلك تلك الجماعة. وللمناسبة فإن المقصود بالحركات السلفية، الاقتداء بالاسلاف الصالحين.

واذا كان من الطبيعي راهناً ان يتبادر الى الاذهان ان تفاهماً جدياً ينبغي ان يبدأ بلقاء بين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، ورئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، فان من الانصاف التذكير بأن المعارضة و"حزب الله" تحديداً، كانت مقصّرة حيال شخصيات لها حضورها، سواء من حلفائها المباشرين او ممن هم اقرب اليها من الاكثرية النيابية وقوى 14 آذار. وقد استاء بعض هذه الشخصيات من تجاهله في محطات كثيرة مهمة، وأول هؤلاء كان رئيس "اللقاء الوطني" المعارض الرئيس عمر كرامي، نتيجة تغييبه مع من يمثل في اللقاء، عن لقاءات مفصلية لأركان المعارضة خارج الاعلام، مما ادى الى تجميد اجتماعات اللقاء"، وان لم يعلن الامر، بل كان كرامي يعزوه الى اسباب امنية وغيرها. وينطبق هذا الواقع من التجاهل والعتب في حالات اخرى على الرئيس سليم الحص و"منبر الوحدة الوطنية" وعلى آخرين مستقلين كالرئيس نجيب ميقاتي، وقد احرجت المعارضة حلفاءها واصدقاءها في محطات كثيرة كان أسوأها حوادث ايار الماضي في بيروت وما رافقها من ممارسات سيئة وما خلفت من جرح عميق، من المكابرة تجاهله وعدم معالجته، ويفترض ان يعالج، ولا بأس اذا كانت البداية بتوجيه التحية من السيد حسن نصرالله، وان جاءت في سياق العموميات اذ "اخذت في طريقها" سائر المناطق اللبنانية ساحلاً وجبلاً وبقاعاً، وبدت رداً على تحية وليد جنبلاط وتجاوبا مع دعوة منه، اكثر مما كانت بداية معالجة جذرية لتداعيات حوادث ايار الدامية. ولا بد من بداية جدية، ويدرك الجميع ان "السيّد" هو الاساس في مثل هذه البداية.

ويدرك الجميع كذلك الفارق الشاسع – ولا مجال فيه للمقارنة في النتائج – لو كان العناق بالاحضان الذي كان بين ممثلين عن "حزب الله" وجمعية "وقف التراث الاسلامي"، كان مثلا بينه وبين سعد الحريري او وليد جنبلاط او الرئيس فؤاد السنيورة او أي ركن اساسي في الاكثرية، والانعكاسات الايجابية الواسعة النطاق التي كان يمكن أن تخلفها صورة من هذا النوع. هذا هو الواقع، شئنا أم أبينا!.

ومهما يكن الامر، ومع تأكيد اهمية كل خطوة نحو تفاهم بين طرفين مختلفين في لبنان، فان التفاهم الحقيقي والأهم يكون في التوصل الى فهم مشترك لقيام الدولة بكل مؤسساتها والتي تشكل مظلة للجميع وتختصر كل "الدويلات" السياسية والطائفية والمذهبية على اختلافها. من هنا اهمية الحوار الموعود بدعوة من الرئيس ميشال سليمان في القصر الجمهوري. فعندما يتفاهم الجميع بصدق على قيام الدولة بكل ما للكلمة من معنى، تصبح التفاهمات الثنائية من باب "لزوم ما لا يلزم" شرط ان يكون الحوار جدياً وليس على طريقة من يبشرون سلفاً بانهم "آتون للخربطة"!

ولعل الصرخة المدوّية التي اطلقها الرئيس حسين الحسيني من خلال اعلان استقالته من مجلس النواب، كانت احتجاجا على غياب مشروع حقيقي لقيام الدولة والمؤسسات، وعلى تراجع الخطاب السياسي وترهله، وقد بدا ذلك جليا من خلال مستوى بعض السجالات التي رافقت مناقشة البيان الوزاري... وفي النهاية لا بديل في اي مشروع حل جدي، من مظلة الدولة لحماية الوطن ووحدته، والمواطن وكرامته.

*نقلاً عن صحيفة "النهار" اللبنانية

عودة للأعلى