داود الشريان
«هل يليق أن نسمي أحد أهم شوارع القاهرة باسم الخليفة المأمون؟ هل يتخيل أحد أن يسمى شارع مهم في غزة باسم أرييل شارون؟ وهل مجرد قبول الإسلام يعني محو الذاكرة الوطنية المصرية أو تزييفها؟ ليس مقبولا أن (يؤدي) نجاح العرب في تغيير اللغة القومية بالبطش والقوة وفرض ثقافتهم ودينهم على المصريين (الى) أن (يصبح المصريون) عربا، أو نقول نحن عرب وننسى ما فعله العرب فينا... هذا طرح غير مقبول وغير منطقي ولن نقبل به حتى ولو استمر مئات السنين والزمن في صف الحقيقة، فالخطأ خطأ ولو كرره ألف شخص كما قال سقراط».
المقطع السابق جزء يسير من مقال طويل ومستفز للناشط القبطي مجدي خليل نشر في «إيلاف» بعنوان «محنة الهوية المصرية» رسم فيه صورة قبيحة للعرب والحضارة العربية الإسلامية، معتبراً هذه الحضارة مرحلة من مراحل انحطاط البشرية. والمقال جزء من حملة متواصلة يقودها عدد من الأقباط الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة، وفي مقدمهم مجدي خليل. وتجد هذه الحملة صدى في بعض الصحافة المصرية. وعلى رغم أن الحملة ترفع شعارات ليبرالية وتقدمية، إلا أنها تنطوي على حس عنصري وطائفي وانفصالي موحش، يصعب تبريره، والتعامل معه. فبعض من يكتب حاليا عن قضية الأقباط مسكون بخليط من مشاعر العنصرية، والطائفية، والكراهية والإحباط والأحقاد. إنهم «الأقباط الجدد» الذين لمع نجمهم مع غزو العراق، وظهور شعار «الفوضى الخلاقة».
الحديث عن حقوق الأقباط كأقلية، ليس جديدا، فمعظم المثقفين والكتاب المصريين تناول هذه القضية. لكن التناول الجديد اخذ بعدا مختلفا، فالمسألة عند مجدي خليل وشلته لم تعد المطالبة بفصل الدين عن الدولة، وإلغاء الإسلام من الحياة العامة، وقمع الإسلاميين، وإنما فصل مصر عن العرب. فهي في نظر خليل دولة قبطية احتلها العرب، ويجب أن يرحل المصريون العرب إلى الجزيرة العربية، وتعود مصر الى أصحابها الأصليين. فالأقباط في السيناريو الذي يطرحه خليل هم الهنود الحمر في التجربة الأميركية، ولهذا نتمنى عليه أن يطالب برحيل الأميركيين عن أميركا، فإذا فعلوا، فنعده بترحيل المصريين عن مصر. صحيح أن كل ما يكتبه «الأقباط الجدد»، مجرد خرافات تاريخية وسياسية، لكن هذه الخرافات تجد اليوم دعماً من دوائر سياسية في الغرب، فالجرأة التي وصلت إلى حد الوقاحة في بعض كتابات هؤلاء لم تأت من فراغ.
* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
