محمد صلاح
أكثر ما لفت الانتباه في ردود الفعل على الحريق الذي دمر مقر مجلس الشورى المصري، تلك اللهجة التي تحوي كثيراً من التشفي وشعوراً بالسعادة من جانب بعض معارضي الحكومة المصرية أو الحزب الحاكم. في بعض الصحف المعارضة أو المستقلة كانت اللهجة أقل حدة، لكن على الإنترنت كانت المواقف حاسمة إلى درجة أن بعضهم أبدى «حزنه» لأن الحريق لم يمتد ليبتلع مقر مجلس الشعب أيضاً! ومهما كانت حدة الخلافات بين الحزب الحاكم في مصر ومعارضيه - والتي تصل أحياناً إلى اتهامات متبادلة وقضايا في ساحات المحاكم، إضافة إلى ضرب تحت الأحزمة أو معارك لتكسير العظام - إلا أن وصول حدة الاحتقان بين الحكم وبعض المعارضين إلى درجة تمني بعضهم أن تمتد الحرائق لتلتهم مؤسسات الدولة ومواقعها التاريخية يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها العلاقة بين الحاكم ومعارضيه. وحتى في الجلسات الخاصة لبعض المعارضين فإن موضوع الحريق تحول إلى مادة للسخرية من الحكومة أو السلطة التشريعية، بما يؤكد أن هؤلاء، وإن لم يجرؤوا على البوح بآرائهم في الصحف أو الفضائيات، إلا أن في داخلهم مشاعر قد تصل إلى حد تمني أن تتهدم جدران المعبد فوق الجميع. من المؤكد أن أجهزة رسمية في الحكومة المصرية والحزب الوطني تدرس ردود الفعل تلك، وليس من المستبعد أن تلجأ إلى رد فعل هي الأخرى تجاه تلك المواقف مما يزيد من الهوة بين الطرفين (الحكم وبعض نواب المعارضة)، لكن الأسلم أن تأتي الدراسة وافية وشاملة وتعتمد أسساً تقوم على فهم الدوافع التي جعلت بعض المعارضين يتمنون الخراب للمجتمع. يأمل بعض الحكماء أن يضع الحزب الحاكم في مؤتمره السنوي المقبل بعد نحو شهرين أساساً لعلاقة طبيعية مع المعارضين وأن يدرك الجميع في الحزب الوطني وبين قوى المعارضة أن البلد ليس ملكاً لطرف من دون الآخر وأن الأضرار التي تتعرض لها مصر، سواء كانت بفعل سياسات الوطني، أو نشاطات المعارضة، ليست في مصلحة الشعب المصري، الذي سئم السياسة أصلاً، وصارت فئاته تبحث عن وسائل العيش الكريم بصورة تفوق الاهتمام برفاهية ممارسة العمل السياسي.
قد ينتقد البعض غياب وسائل الأمان، أو أسلوب معالجة حريق مجلسي الشعب والشورى، أو أي حريق آخر، وقد يلعب بعضهم على وتر اهتراء الإجراءات التي تكفل تنفيذ القوانين على الجميع وضمان عدم تعرض البلاد لكوارث بفعل الإهمال والفساد، وقد يجد بعضهم حين يحلل أسباب وقوع الكوارث أخطاء ناتجة عن التعامل بأساليب غير علمية مع الكوارث ذاتها، إلا أن كل هؤلاء عليهم أن يدركوا أن مقر مجلس الشورى ليس ملكاً لأعضاء المجلس، أو رئيسه، أو الحزب الحاكم، أو حكومته، وأن ممتلكات الدولة وإرثها التاريخي لا يخصان الجيل الذي يعيش الآن وحده لأن أجيالاً أخرى ستأتي بعده، وأن المطالبة بتأمين البلد ضد الكوارث ليست مجالاً للابتزاز السياسي. وفي المقابل فإن على أجهزة الحكم أن تبحث عن أساليب أخرى للتعامل مع انتقاد قوى المعارضة ومواقفها حتى لو جاءت حادة. وليس من المنطقي أن يعلق أحدهم معلناً حزنه لأن الحريق لم يمتد ليشمل مباني أخرى، وليس من المقبول أن يتمنى أقطاب الحزب الوطني أن تشتعل الحرائق لتأكل مقرات المعارضة.
* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
