حازم صاغية
هكذا إذاً: في كنف «حماس»، في غزّة، تنمو «حركة جيش الأمّة» وتدعو صحافيّين إلى واحد من مخيّمات تدريبها. والتنظيم هذا، تبعاً لتعريفه الذاتيّ، «تجمُّع يتبنّى المشروع الإسلاميّ في مواجهة المشروع الغربيّ الصليبيّ في العالم، ويقوم على إحياء فريضة الجهاد وعودة الأمّة الى عقيدة السلف الصالح المستندة إلى الكتاب والسنّة». وهو، بطبيعة الحال، يناهض التيّارات اليساريّة والعلمانيّة، إلاّ «أنّنا لا نقاتلهم الآن، بل ندعوهم إلى الكتاب والسنّة».
وكانت «حماس» نفسها قد نمت في جوار «فتح»، بتوتّر كالذي بدأ يشوب علاقة «حماس» بـ»جيش الأمّة»، قبل أن ينفتح الباب للثانية كي تباشر السعي إلى وراثة الأولى. وهو أمر رأيناه هو نفسه تقريباً في لبنان تجاوزاً لـ»حركة أمل» من «حزب الله»، بعدما كانت «أمل»، في نطاق الجمهور الشيعيّ الملتفّ حول المقاومة الفلسطينيّة، قد تجاوزت «فتح». وفي العراق تتناسل التنظيمات واحدها من الآخر، والحفيد أشدّ تطرّفاً من الابن، والابن من أبيه الجدّ. وكلّ واحدة من هذه «العمليّات» تكلّف دماً لا يُحسب وضحايا غالباً ما لا يُعدّون، وإن أُسبغ عليهم، في معظم الأحيان، نعت شهداء.
وهو ربّما كان من الملامح البارزة لتاريخنا السياسيّ الحديث، نراه الآن في أكثر صوره تعفّناً، بحيث يضمر السجال بين المتنافسين ويكاد «البرنامج السياسيّ» يضمحل ليغدو العنف سيّد الموقف. حتّى السلطة، وطلبها مبرّر وجود الحزب السياسيّ، لا تعود مطلوبة، بقدر ما يُسعى إلى هدم أيّة سلطة وكلّ سلطة، وإلى تفريخ السلطات التي يناهز عددها عدد الشوارع أو الزواريب أو الطوائف، تبعاً لطبيعة البلد المعنيّ وتركيبته. وسريعاً ما ينتهي «التنظيم»، الواعد بالغد والمستقبل، أداة لقوّة خارجيّة تتوسّله وتمتصّ ما تبقّى من لونه الوطنيّ.
والوراثة الدمويّة غالباً ما تنبثق من مشتَرك سياسيّ وإيديولوجيّ ولغويّ يدور في نطاق الثوابت والمقدّسات. فمتّى انهزم طرف راديكاليّ ما، لم يطل التشكيك النهج الراديكاليّ نفسه، متقدّماً، في المقابل، نحو مزيد من الراديكاليّة التي قصّر عنها السلف المهزوم.
وهذا لأننا، ما خلا الدين ونظام القرابة، لا نملك مصدراً للشرعيّة السياسيّة. فالسلاح الذي به واجهت المنطقة ريكاردوس قلب الأسد، بقي صالحاً لمواجهة نابوليون بونابرت، ولا يزال اليوم صالحاً لمواجهة التحدّيات المطروحة والمستجدّة. ولا تبخل الخطابة النضاليّة العربيّة بصلوات الاستسقاء استدراراً لتلك العلاجات!
وما دام الأمن والاستقرار ممنوعين أو مشبوهين، ظلّ الفضاء العامّ ممتنعاً عن إنتاج السياسة، ولاّداً لمثل هذه الحركات الموصوفة، بقدر من السخاء بعيد، بأنها «سياسيّة». فسؤال السياسة: كيف تستبعد العنف، فيما سؤالها: كيف تبقى عين العنف ساهرة وحدها على المجتمع؟
وأسوأ ما في هذه الدوّامة، حيث «نتقدّم» في التنظيمات ونتراجع في الأهداف التي ترسمها، أننا نفسّرها بسياسة أميركا وإسرائيل، ثمّ نتواطأ على ابتزاز أميركا وإسرائيل بها كي «تقدّما تنازلات». فإذا ما «قدّمتا تنازلات» لم يعد لدينا المجتمع القادر على حملها وتوظيفها أو الطرف القادر على أخذها. وهكذا دواليك، من «تنظيم» إلى «تنظيم»...
* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
