د.
مهند مبيضين
حل الرئيس الفرنسي في دمشق، وانعقدت قمة رباعية قطرية تركية فرنسية سورية، وقبل ذلك كان الرئيس السوري يزور موسكو ويجري مباحثات ثنائية مع الروس، كأنها اللحظة المواتية التي أرادها بشار الأسد بعد أن حاولت الولايات المتحدة أن تؤلب المجتمع الدولي ضد سورية، واخيرا نجحت الدبلوسية السورية في لعب أوراقها السياسية، واستطاعت فك العزلة موظفة كل حمولتها من اجل الحد من فاعلية العزل الذي حاولت الولايات المتحدة العمل لأجله وإقناع العالم بضرورته.
الأوراق السورية كثيرة، بدءا من العلاقة الاستراتيجية مع إيران ومرورا باحتضان حماس، وليس آخرها الإعلان بان شاكر العبسي الهارب من القوات اللبنانية موجود رهن الاعتقال، وتفكر دمشق إما بمحاكمته أو بتسليمه للسلطات اللبنانية.
وبتجاوز حسابات الوزن والربح، فإن ساركوزي بتحركه الدولي الواسع من جورجيا إلى دمشق، يبدو جادا في إعادة دور فرنسا إلى صدارة النظام الدولي في محاولة لملء الفراغ الذي يشغر بسبب الانتخابات الأميركية، وتركيا تريد ان تستثمر علاقاتها مع سورية في دعم السعي نحو السلام وبالتالي رفع نصاب سهمها أمام الاتحاد الأوروبي، وقطر لها حسابات دائمة ترتبط في محاولة البحث عن دور.
بين الدول الثلاث تركيا وقطر وفرنسا، تبدو سورية الأفضل حالا، فهي في النهاية دولة غير معنية بالاستعجال نحو السلام، وبالتالي الإنصات السوري لإمكانية حلول طرف ضامن فرنسي بدل مطالب سورية المتكررة بطرف ضامن أميركي يظل رهن تحولات السياسة قبل أو بعد الانتخابات الأميركية، وسورية دوليا لديها علاقة استراتجية مع روسيا كقوة عالمية مما يكفيها مؤونة الحاجة للبحث عن حليف حتى ولو كان بحجم فرنسا.
إذن، فرنسا تستعيد دورها وعلاقاتها مع سورية، وهي علاقات وأدها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وجرّت على فرنسا خسائر كبيرة استدعت أن يتبنى ساركوزي عودة المياه لمجاريها في العلاقة مع سورية، أما وضع سورية فهو أفضل لأسباب؛ أولاً لدى سورية علاقات جيدة مع دول خليجية مثل الإمارات والكويت وقطر، وهذه الدول لا تنظر من نفس الزاوية السعودية الى العلاقة مع سورية، والعلاقات السورية السعودية مرجحة للتحسن والانفراج، وتقول المعلومات أن الأمير بندر زار دمشق أكثر من مرة سرا، وان هناك تفكيرا في عودة العلاقات خاصة إذا ما تحسنت العلاقة بين دمشق ولبنان. ويشار هنا إلى قوة العلاقات الأردنية السورية، التي تشهد تنسيقا عاليا بين قيادة البلدين، ويرى مطلعون ان هناك اتصالات تجرى بين قيادتي البلدين باستمرار.
في مقابل النجاح السوري خارجيا، وبعد الافراج عن عارف دليلة ينتظر داخليا الافراج عن بقية المعتقلين السياسيين، والمضي بعلاقات اكبر فاعلية مع لبنان، والمضي بسرعة في حركة الاصلاح الداخلي. وما يجب تذكره هنا ان السوريين مضوا في حركة اصلاح داخلية تشمل التشجيع على الاستثمار العربي وبدأت الجامعات الخاصة تنتشر، وظهرات عدة وسائل اعلامية خاصة، حتى حصار الدراما السورية فشل.
كل ذلك قد يرى البعض انه يجري ببطء، لكن ان تكون المسيرة بطيئة خيرا من أن تكون متدهورة وسريعة او مباغتة، ولعلني خلال اكثر من عشر سنوات واظبت فيها على البحث عن تاريخ دمشق وحتى اليوم، ألاحظ جيدا معنى التحولات التي تمضي إليها سورية، فهي وإن كانت ذات ايقاع بطيء إلا انه بطء محمود، عوضا عن التعجل والتسرع وهو ما اندفعت اليه دول عربية في الاستجابة لوصفات اصلاحية خارجية فكانت النتائج احيانا كارثية.
صحيح ان في سورية اخطاء كأي نظام، وان فيها فقرا -لكن بدون جوع- وأن معتقلي رأي الأمل كبير باخراجهم، لكن في النهاية لدينا ايقاع سوري خاص، حتى ان البعض يرى دائما ان كل المعطيات تخدم سورية، ولعل في هذا صحة، لكن من المهم انك حين تسمع المسؤولين السوريين تسمع لغة واحدة، وايقاعا متناغما، من دون خلل في النوتة، ولعل لدى دمشق الكثير مما لم ترم به، فكل ما جرى من حولها وكل محاولات عزلها فشلت، ومهما كان البوق الذي فتحه خدام ضدها في الخارج، يظل لدمشق اسرارها الخاصة التي تحتفظ بها، فأبوابها السبعة تحتمل دخول اكثر من ضيف في وقت واحد حتى وان اختلفت الافكار والاهداف او تعددت الجهات.
*نقلا عن جريدة "الغد" الأردنية
|
