أشرف إحسان فقيه
كانت مناسبة تشغيل (مُصادِم هادرون الكبير - LHC) فرصة عظيمة للاندهاش.. ليس لأنها التجربة العلمية الأكبر في تاريخ البشرية كما أُعلن.. ولا لمقدار الشغف بالمعرفة الذي يدفع بالبعض لاستثمار أكثر من تسعة مليارات دولار خلال عشرين سنة هي عمر مشروع المصادم هذا.
لا هذا ولا ذاك. مبرر الدهشة خلال الثلاثة أسابيع الماضية من متابعة التغطيات الصحفية والتقارير عبر المواقع التفاعلية.. مبرر الدهشة الأكبر كان المواطن العربي المسلم، الذي يُصرّ على إثبات كم هو مستعصٍ على العلم وعلى المعرفة.. وكم هو عالق في أوهام جنون العظمة ومعتال على ماضيه الغابر!
مامعنى أن يتكرم أخ أو أخت في العروبة والدين بالتعليق على خبر المصادم، الذي يسعى العلماء من خلاله لدراسة ومحاكاة ظروف نشأة الكَون، بالقول "إن شرح ذلك موجود في القرآن".. أو إن القائمين على مشروع كهذا كان يجدر بهم "ألا يتعبوا أنفسهم في هذه الأمور"؟ وهذا نمط من الردود يمثل نسبة معتبرة وتياراً عريضاً ضمن التعليقات على خبر التجربة خلال الفترة السابقة.. عندكم الإنترنت لتتأكدوا.
أي نوع من التعليقات هذا؟ وما هو الانطباع الذي سيقر في نفوس غير المسلمين الذين سيقرؤونه؟. لنفترض -جدلاً- أن رأي "الكفار" لا يعنينا في شيء لأننا مقتنعون تماماً بفهمنا للحياة كمسلمين ولسنا بحاجة أن نكسب رضا أحد حين نعبّر عن وجهات نظرنا؛ هل القول إذاً بأن القرآن قد سبق تجربة (CERN) كلام منطقي؟ هل يرضينا نحن -قبل سوانا- أن نعتبر تحالف عشرات الدول وآلاف العلماء والبحاثة من أجل أكبر مشروع علمي في التاريخ محض عبث، وتضييعاً للوقت لا يليق بالمسلمين؟
أليس هذا سوء أدب مع كتاب الله تعالى.. حين نختصر علماً طائلاً كهذا في بضع آيات. القرآن الكريم ليس كتاب فيزياء. ولا هو (كتالوج) لنظريات الاقتصاد وعلم النفس. إنه كتاب سماوي فيه منهاج كامل للحياة القويمة. الحياة التي تزدهر وتتقدم بالعمل والكدح لأنه (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره).
ما قام به الإخوة والأخوات المسلمون الذين لم ترُق تجربة المصادم لأمزجتهم أنهم قدَّموا آية في وجه كل علماء الفيزياء والطبيعة.. قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا). والآن.. أصحاب هذا الرأي مطالبون بأن يشرحوا للذين كفروا كيف ستجيب الآية الكريمة عن التساؤلات المبهمة بخصوص المادة المظلمة، ومضاد المادة، وجزيئات (هيغز) والخيوط الفائقة وسواها من المسميات والنظريات غير المثبتة والتي لأجلها كان مشروع المصادم أصلاً!
ما معنى كل هذه المصطلحات؟ ولماذا لا يتكرم كاتب المقال بشرحها وتسليط الضوء عليها عوض أن يكيل التهم للعرب والمسلمين؟ لعدة أسباب: أولاً لأن هذا ليس مجال هذه الصحيفة ولا هذه المساحة. وثانياً لأن الإجابة موجودة فعلاً عبر أكثر من موقع ولا يتطلب إيجادها أكثر من دقائق من البحث عبر الإنترنت. وثالثاً وهو الأهم.. لأن الإقرار بأزمتنا مع العلم ومع موقفنا مع الحضارة كمسلمين هو في صميم الحل المنشود.
لقد كشف تيار التعليقات الانتقاصي والساذج لتجربة المصادم عن مدى النظرة العبثية للعلم كثقافة عامة والمتفشية بيننا. صحيح أن هناك الكثيرين الذين صفقوا للتجربة.. والبعض أبدى حزنه كالعادة لغياب الدول العربية والإسلامية عن مثل هذه الإنجازات. لكن لا هؤلاء ولا هؤلاء تنبهوا لجوهر المشكلة. مشكلتنا مع العلم ليست بسبب المؤسسات التعليمية الحكومية فقط. تأخرنا عن ركب (سيرن) و (ناسا) و (لوس آلاموس) وسواها من رموز الحضارة هو أزمة فردية قبل كل شيء آخر.
كي أقرّب الصورة أكثر فسأعود لتجربة (مصادم هادرون) وصداه عبر الأخبار. فهذه التجربة التي سُخِّرت لها تماماً وسائل الإعلام الغربية؛ كانت أهم تأثيراتها على رجل الشارع الغربي في الزيادة الملحوظة لمبيعات الكتاب العلمي! هكذا نجد أن التجربة بالرغم من حصولها تحت إشراف مؤسسة علمية نخبوية جداً، وبالرغم من خضوعها للتمويل الحكومي وتعلقها بمجال معقد وبعيد عن الاهتمام العام، إلا أنها قد خلقت جواً من الفضول العلمي لدى المواطن الأوروبي العادي.. فانطلق يبحث في المكتبات التجارية والعامة.. وعلى الإنترنت ليروي ظمأه المعرفي ويضع نفسه في الصورة.
هذا السيناريو لم يتحقق عندنا لأكثر من اعتبار. فالتغطية الإعلامية كانت عادية. هذا ليس بخبر أساسي بالنسبة للمواطن العربي المهموم بذات الهموم منذ خمسين سنة. هذا خبر جاء ضمن النشرة العالمية.. أو حتى الموجز الخفيف قبل تفاصيل الرياضة والطقس!
ومن ناحية ثانية فالمتلقي العربي مظلوم لأن وسائل التداول المعرفي غائبة في حياته. المكتبات العامة والتجارية.. هذه إلى أي مدى ستفتح عينيه؟ بل إن المكتبة العربية تكاد لا تحوي مواد للتعريف بالعلوم وتبسيطها على نحو يفهمه هذا المواطن. وهذا كله يتضافر مع الطبيعة الماضوية الكسولة للعقل العربي ليوصلنا للنتيجة التي نعيشها: رؤية ضبابية للحدث.. بل وشماتة في المنظومة الغربية على أساس أن المسلم عنده جواب لكل سؤال وحل لكل عقدة! هل نسخر من أنفسنا أم ماذا؟
الكثيرون وعلى وقع خبر تجربة المصادم وجهوا أصابع اللوم للحكومات العربية. للجامعات ولحملة الدرجات العلمية. وهذا لوم في محله لكنه يبرئ في طياته الفرد منا من مسؤوليته في التخلّف. لكي تنهض حكوماتنا وجامعاتنا بخططها البحثية فستحتاج لزمن. وخلال هذا الوقت فأين سيكون كل منا؟ هل سنقعي وننتظر؟ لكي ننهض بالأمة فلن يكفينا أن نبتعث العقول الكبيرة إلى الجامعات الكبيرة فقط.. نحتاج قبل ذلك لأن نخلق قاعدة من الناشئة تهتم بالقيمة العلمية وبالخيال العلمي. إلى جيل يتوق للمعرفة ويعرف الطريق للمكتبة وعبر محرك البحث.
ينبغي أن تتحرك الدولة والمؤسسات الشعبية وتتبنى جوائز للكتاب العلمي المؤلَّف والمترجَم، وللعاملين في حقل تبسيط التقنية والتعريف بالعلم. وأمثلة (مركز الإثراء المعرفي) و(سايتك) بالخبر يجب أن تتكرر في كل مدينة وتوجه لكامل طيف المجتمع.. ويجب أن تنغمس هي أيضاً في التعريف بالمستجدات العلمية.
الخطوة الأولى التي يسع كل منا أن يتخذها (الآن).. هي في أن يشتري لابنته وابنته.. لأخيه الصغير كتاباً أو قصة علمية أو فيلماً وثائقياً كهدية بمناسبة العيد. هل استهجن أي منكم هذا الاقتراح أو تحجج بأن ابنه قد اختار المسار (الأدبي) في دراسته؟ أنتم هكذا تعودون بنا لبداية المقال!
*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية |
