طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 07 شوال 1429هـ - 07 أكتوبر 2008م
الاتحاد الأوروبي والحلوى التشيكية
 

حسن عز الدين

ثمة رابط قوي بين الاستعدادات التنظيمية الخاصة بترؤس الاتحاد الأوروبي، والتوجهات السياسية المفعمة بالانتماء العقائدي للأطراف الحاكمة في البلد المعني الذي يستعد لتحمل مسؤوليته التاريخية.

فعندما تترأس الاتحاد الأوروبي دولة كبيرة مثل فرنسا، يدرك المراقبون طبيعة التحرك الذي ستتميّز به دبلوماسيتها، آخذين بعين الاعتبار طبيعة الإدارة الديناميكية التي تمسك بدفة القيادة حاليا، ناهيك عن الوضوح الذي تتّسم به العناوين العريضة لسياستها الخارجية. فلا شيء مخبأ خلف الكواليس، ولا متاريس مصنوعة سلفا لمواجهة هذا الطرف أو ذاك.

أما إذا كانت المواجهة مطلوبة، فهي تتم بأسلوب دبلوماسي أنيق، أو تؤجل إلى ما بعد الانتهاء من تحمّل المسؤولية الشاملة، لكي لا تحرج الجماعة أو بعضا منها على الأقل.

لكن عندما تنتقل هذه المسؤولية إلى دولة يانعة مثل تشيكيا، لا بد عندئذ من جلسة تقييمية لاستعراض الآفاق المطروحة، لأن ما قدّمه هذا البلد خلال تجربته الديمقراطية والسياسية المراهِقة تلزم كثيرين ممّن هم على تماس مع الاتحاد الأوروبي لحبس أنفاسهم شوقا (وربما قلقا) بانتظار ما سيأتي من مفاجآت.

وبالتأكيد، فإن المعنيين بملف الشرق الأوسط والنزاع العربي - الإسرائيلي تحديدا، سيكونون أكثر الناس توقا لمعرفة الطريقة التي ستتبناها هذه الدولة لإدارة الأمور التي شارك الاتحاد الأوروبي في بعض تفاصيلها، أو ساهم على الأقل في نسج خيوطها الدقيقة.

هذا لا يعني بأن الملفات الأخرى ستكون أقل شأنا، بل ان بعضها قد يكون مماثلا في حساسيته للملفات المذكورة أعلاه، لأنه يؤثّر في خارطة العلاقات الدولية وتحالفاتها المعقّدة، لا سيما ما يرتبط منها بمواضيع مثل احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وما شابه.

في هذا السياق تبرز علامات استفهام كثيرة حول الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي، ليس لأن هذه الدولة الفتية غير قادرة لا سمح الله على تحمل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، بل لأن مواقفها السياسية كانت في أكثر من مناسبة متميّزة عن غيرها من دول العالم، لا بل كانت مبادِرة في طرح المواقف الناقدة والجريئة، المبالغة في تحدّيها أحيانا. ما قد يثير القلق أو الشوق في هذا السياق هو سلسلة من الملفات التي أكتفي بذكر بعضها:

1ـ موقف الجمهورية التشيكية من الصراع العربي الإسرائيلي، لا سيما الشق الأساسي منه، أي ملف التسوية الإسرائيلي - الفلسطيني. فبرغم إصرار براغ على ادّعاء الموضوعية في طرح كل ما قد يكون مرتبطا بهذا الملف الحساس، إلا أن ممارسة دبلوماسيتها على أرض الواقع وبشتى فروعها كان ولا يزال مشيرا إلى التعاطف بشكل واضح مع الطرح الإسرائيلي المتشدد، وهو ما لا تخفيه الإدارة الحاكمة حاليا في تشيكيا بأي شكل من الأشكال.

هذا الأمر سيعزز الشكوك القائمة لدى البعض حول الطريقة التي ستتبناها براغ لتوجيه الاتحاد الأوروبي، وفيما إذا كانت ستستفيد من موقعها الحساس لتنظيم بعض الفعاليات التي ستلعب لصالح طرف دون الآخر، في حين أن الطرف المستفيد معروف طبعا.

2ـ الموقف من بعض الأنظمة حول العالم ممّن تتّهمها الإدارة التشيكية الحالية بالإمعان في خرق حقوق الإنسان مثل كوبا وروسيا البيضاء والصين وغيرها، وفيما إذا كانت براغ ستمضي قدما في سياسة عرض المبادرات الشجاعة أو الاستفزازية كما يصفها البعض بهدف السعي لعزل أنظمة تلك الدول على الصعيد العالمي.

3ـ كيفية التحرّك حيال روسيا التي ظهرت للعالم بشكل جديد كليا بعد حرب القوقاز الأخيرة. فهل ستسعى تشيكيا لنقل موقفها الرسمي الناقد بشدة لما وصفته بالعدوان الروسي إلى ساحة القرار الأوروبي وتاليا لتأزيم العلاقات بين الجانبين إرضاء لحليفتها جورجيا، أم أنها ستلتزم الهدوء حفاظا على الاستقرار النسبي المتفق عليه بشأن توفير مصادر الطاقة الروسية؟

حتى الآن لم يكشف التشيك سوى بعض العناوين العريضة لتحركاتهم المستقبلية على صعيد السياسة الخارجية، وحدّدوا الشعارات العامة التي تشير إلى دوائر التحرك الدبلوماسي المستقبلي، والذي سيكون حلو المذاق كمعبات السكر وفق ما تؤكد الدعاية الرسمية التي وضع أسسها ألكسندر فوندرا، نائب رئيس الوزراء وأحد أبرز الصقور المناضلين باستمرار لتعزيز التعاون مع الحلف الإسرائيلي - الأميركي.

أما الدوائر الرسمية فتكتفي حتى الآن بالإشارة لبعض النقاط الرئيسية الخاصة بالتحرك التشيكي خلال فترة ترؤس الاتحاد الأوروبي، فتحصره في ما يلي: إشكالية تحقيق القدرة التنافسية للقارة الأوروبية، الطاقة والتغييرات المناخية، وتحقيق التكامل في قارة أوروبية منفتحة وآمنة.

أما أولويات السياسة التشيكية على صعيد السياسة الخارجية فتنحصر في ثلاثة قطاعات: تطوير العلاقات اليورو ـ أطلسية (وهو ما قد يميّز الرئاسة التشيكية عن غيرها)، منطقة غرب البلقان وأساليب التعامل معها في ظل تواجد عدد كبير من الجنود التشيك فيها، ومنطقة أوروبا الشرقية وضرورة العمل من أجل ضم المزيد منها إلى الاتحاد الأوروبي.

ويبدو مما سبق بأن الرئاسة التشيكية أبقت حتى آخر لحظة مفاجآتها الكثيرة في ما يخص الملفات الدولية الشائكة، حيث يشارك دبلوماسيوها في الوقت الحاضر بسلسلة من المحادثات العلنية والسرية بهدف ترتيب الأولويات والإطلاع على ما يمكن تسريبه من نشاطات تصب في مصلحة الطرح المتعاطف مع الحلول التي قد لا يستسيغها العرب.

كل ذلك يتم بالتعاون مع اللوبي المتعاطف مع إسرائيل والمتنامي بكثافة في دوائر صنع القرار في تشيكيا، في حين نلحظ غيابا مدويّا للأطراف التي تدّعي حرصا لتحقيق التوازن والموضوعية في علاقات هذا البلد مع الخارج.

أما الغياب الأكثر وضوحا في ما نشهده حاليا، فهو بلا شك الغياب الدبلوماسي العربي الذي تبدو بعض تفرعاته مصرة على تحركها الروتيني الممل وهشاشة مواقفها الجامدة، في وقت نحن فيه بحاجة ماسة إلى أكثر من ذلك بكثير.

* نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى