طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 27 ذو القعدة 1429هـ - 25 نوفمبر 2008م

ألمانيا واكتشاف العرب للحداثة!

 

هاني نسيرة

رغم أن صدمة الحداثة أو يقظتها بدأت مع الحملة الفرنسية على مصر آواخر القرن الثامن عشر، واستمر الجدل معها سلبا وإيجابا مع استعمار القرن التاسع عشر الفرنسي والإنجليزي وغيرهما، فتفوق الغالب ترافق مع تفوقه وهيمنته وجيوشه، ولكن كانت ألمانيا بعيدة بالسلب ملهمة دوما بالإيجاب.. لم تستعمر أيا من بلداننا، ولكن كانت أكثر إلهاما على مستوى الأفكار والنهضة من غيرها..

يقول الأوربيون إن الألمان صناع الفلسفة بينما الفرنسيون شراحها، ففي ألمانيا ولدت الفلسفة المعاصرة مع كانط، وولد العقل النقدي مع اسبينوزا، كما ولدت الحداثة مع هيجل أول من أشار إليها، وعرف بها، ومع تلاميذه تبلورت مدارس التفلسف مع الهيجليين يسارا ويمينا، فنشأت الماركسية والوجودية والعدمية والقومية، وكذلك فلسفة التاريخ وسوسيولوجيا الأديان من العقل الألماني، واذكر إن شئت من شئت أن تذكر كنيتشة وكيركغارد وماكس فيبر وفيخته وغيرهم..

وقد تميز الألمان دائما بدرحة أعلى من التسامح والتعارف مع التراث الشرقي من غيرهم، بل ربما كانوا الأسبق في هذا الاتجاه، والديوان الشرقي لجيته دليل معبر عن ذلك..وغياب استعمارهم لبلاده دليل أكبر كذلك عليه..

عودة للأعلى

حوار عربي ألماني مبكر

أحب أن أشير على هامش مؤتمر مؤسسة محمد بن راشد حول الحوار الثقافي العربي الألماني المزمع انعقاده في دبي يوم 26 نوفمبر الحالي إلى رحلة أول عربي زار ألمانيا وهو حسن توفيق العدل صاحب بيت الشعر العامي المشهور الذي نكرره جميعا دون أن نعرف صاحبه:

اللي يعيش ياما يشوف ... واللي يمشي يشوف أكتر

هذه الحكمة الخالدة في أدب الرحلة ليست مجهوله المؤلف ولكنها من تأليف أول رحالة مصري وعربي زار ألمانيا وسويسرا في العصر الحديث، ومن ألمانيا نقل لنا حسن توفيق العدل فكرة البرلمان ومؤسسة الديمقراطية في الدولة، التي تبناها من خلاله على يوسف وترجمتها النخبة المصرية لمجلس شورى القوانين ثم الجمعية التشريعية التي تحولت بعد ذلك إلى مجلس نواب. ومن خلال رحلة حسن توفيق العدل كذلك كان نقل إلعديد من العاب القوى والألعاب البدنية التي نقلها بالرسوم التي توضح ألعاب الجمباز، كما نقل لنا علم التربية الرياضية وبعض القواعد المهمة في ذلك وفي مجالات التربية بعموم.

ولد حسن توفيق العدل بالإسكندرية في 17 مارس سنة 1862، ابن دار العلوم الذي تخرج دفعة وحده حيث لم ينجح سواه عام 1887 ، وعمل بها حتي تم اختياره مدرسا للغة العربية وآدابها في مدرسة اللغات الشرقية بجامعة برلين بناء على طلب الحكومة الالمانية، فكان اختياره لهذه الرحلة القائمة بين عامي 1887 حتى 1892م .
وقد قال العدل قبل ركوبه البحر إلى ألمانيا في السادس من سبتمبر من هذا العام مودعا وطنه :

يا مصر مهلا في الوداع وأجملي ... فلغير وصلك عنك لم أترحل

ودعي فتى عشق الفضائل يدرع ... سيفا يضارع ماضي المستقبل

ويقصد أنه لم يهجرها ولكن هاجر من أجلها ، هاجر يريد أن يأتي لها بعدة المستقبل وسيف المستحيل وإجابة النهضة.

عودة للأعلى

أول عربي زار ألمانيا الحديثة:

وصل حسن توفيق العدل برلين في 20 من سبتمبر من العام نفسه، حيث أجاد الألمانية في فترة وجيزة، وأخذ يقرأ تاريخ ألمانيا وآدابها، ويتردد على جامعة برلين ومكتباتها، وزار مدارسها العامة والخاصة والصناعية والعليا، وألم بطرق التدريس بها، وكتب في ذلك كتابيه " الرحلة البرلينية " و "رسائل البشري في الرحلة إلى ألمانيا وسويسرا " وقد شرف بمقابلة الإمبراطور الألماني وحصل منه على وسام فارس وكذلك الوزير الأشهر بسمارك، وحضر جلسات البرلمان الألماني، وأعجب بطريقته الديمقراطية والشورية فيه.

كما عرفنا حسن توفيق العدل بجيته وبيتهوفن لأول مرة، كما عرف الشعب الألماني والسويسري شعبا ودولة، حقيقة وأساطير، أحبهم واحبوه، كان يريد أن يعود إلى وطنه ومعه شمعة نور، ولكن عادت الشمعة وهو لم يعد، فقد توفي حسن افندي العدل في 30 مارس سنة 1904 أثناء تدريسه بكمبردج التي انتقل إليها بعد أن ترك برلين، وقد امر الخديوي له بجنازة عسكرية مهيبة، و بكاه ورثاه القاصي والداني، تاركا لنا عددا من المؤلفات الرائدة في التربية الرياضية وقواعد التربية العامة وفي الرحلة والأدب العربي ، وقد تأثر بها بشكل خاص كارل بروكلمان أشهر من تخصص في الأدب العربي من المستشرقين الألمان.

النهضة لم تتحقق بعصا موسى:
خصص العدل ثلاث رسائل من" رحلته البرلينية" للحديث عن التربية بأنواعها الجسمية والروحية مدرسية أو منزلية ، وان هذا الأمر شاغله منذ بدء الرحلة ، وهو سؤال له ما له من الأهمية "كيف تتكون الأمم ؟؟ وقد كان عنوان تلك الرسائل الثلاث هو " سعادة الأوطان بحسن تربية الشبان " وكثيرا ما ان يستشهد بقول بسمارك " ما هزمنا ولكن هزم معلمونا ".

في هذه الرحلة تحدث العدل عن تقدم الأمم وارتباطه بالتربية بدءا من المصريين القدماء إلى الأمم الأوروبية الحالية ويصرخ في وجه مواطن مصري قائلا :" أتحسب أيها الصديق أن لديهم عصا موسى أو طلاسم هاروت وماروت ؟ كلا وإنما لديهم العقل الذي صرفوه فيما خلق لأجله"

ودعا العدل لتربية الأبناء تربية سياسية ويرى أن هذا أهم أنواع التعليم بعد الإيمان بالله "فأول ما يجب على المعلمين نحو تلامذتهم أن يعلموهم معنى الجامعة " يعني بهذا اللفظ المجتمع " والوطنية والحكومة وما يلزم لإقامتها وتأسيس دعائمها، يجب تنبيههم إلى إلى القوانين المنظمة للجامعة وتعريفهم بالأجهزة القائمة بالحكم والإدارة " كما صاحب دعوة مبكرة لتعليم المرأة التي يراها أعز أمانيه، مواصلا بذلك دعوة خلفه الطهطاوي الحيية في تعليمها، ولكن كان العدل أكثر الحاجا عليها.
عادت شموع العدل من ألمانيا ولكنه لم يعد لتضئ الطريق نحو البرلمانية ثم لقاسم أمين ثم للتربية البدنية وقواعد التربية والسياسة عموما..

هذا بعض ما أخذناه من الألمان مبكرا لتتوالي جهود العديدين بعده..

*خاص بـ "العربية.نت"

عودة للأعلى