أشرف إحسان فقيه
الإنترنت هي أكبر مستودع للمعلومات في تاريخ البشرية. هذه الحقيقة البسيطة تمثل في الوقت نفسه أزمتنا مع هذه الإنترنت.. التي بتنا ندمنها ونكرهها بالتبعية لأنها صارت أكبر بالوعة تضيع فيها أوقاتنا.
ونحن هنا لا نتكلم عن مواقع الدردشة والتعارف.. ولا عن الـ "يوتيوب" وسواه من مواقع الفيديو ولقطات التفحيط والفضائحيات. هذه كلها خارج حسبتنا الخاصة بـ "الوقت المهدر". تعريفنا للوقت المهدر يتجاوز هذه الأزمنة المفقودة بلا نفع أصلاً. نحن نتحدث هنا عن كم الوقت الذي تضيعه علينا الإنترنت فيما نحن نبحر عبر المواقع "المفيدة".. أو تلك التي نظنها كذلك.
لنبدأ بمواقع الأخبار مثلاً. كم واحداً من هذه تتواجد في قائمة مفضلات أحدنا؟ ونحن كل يوم نمر على كل واحدة من هذه المواقع.. مرتين على الأقل.. لنراجع الأخبار ونمحصها. بالرغم من أن تلك المواقع كلها بلا استثناء تعرض نفس الأخبار. نفس التحاليل ونفس وجهات النظر. حتى مواقع الإشاعات والصحافة الصفراء.. وتلك المستقلة أيضاً.. فإنها تتشارك في ذات "المصادر" وذات التغطيات والصور المنقولة أصلاً من مواقع "رويترز" و "أسوشيتد برس" وسواها.. وهذا وجه آخر من وجوه بؤس النت، لأنها باعتمادها سياسة المصدر المفتوح قد قضت على كثير من مظاهر التنوع وحبستنا في دوامة من النقل والاقتباس والتكرار.. لكن هذا هم آخر.
لنتفق الآن على أننا نمر على عشرات مواقع الأخبار والصحف يومياً ونترك تعليقاتنا على الكثير من محتوياتها. نفس الكلام ينطبق على بقية صنوف صفحات (الويب) المفيدة والجادة. والتي تتنوع اهتماماتها وتشعباتها بتنوع الذائقة البشرية ذاتها. مواقع الاقتصاد والرياضة، والصفحات المعنية بالتقنية الحديثة ومستجدات العلوم، ونقاط البيع والتسوق عبر النت أيضاً. هناك مئات وآلاف المواقع التي تغطي كل اهتمام على حدة وتواجهنا بذات المعضلة: كيف نختار أكثرها ملاءمة؟ ومن أين نأتي بالوقت لنمر على كل هذه المواقع، نصطفي أفضلها، ثم نقرأ محتواها؟ ناهيك عن البريد الإلكتروني وفيض رسائله المهمَلة. وهذه معضلة عززتها النسخة الثانية من الإنترنت والتي تمثلها مواقع ذات صبغة "اجتماعية" من قبيل Facebook و Flicker و Twitter. هذه المواقع تربطنا أكثر بالشبكة على مدار الدقيقة وتربط نشاطاتنا وهواياتنا ووسائل اتصالنا بها لنصير معلقين بالشاشة وبلوحة المفاتيح على مدار اليوم. متى نتفرغ للإنجاز إذاً؟ وما هو تعريف الإنجاز على ضوء كل ذلك؟
أحياناً نحس وكأن الإنترنت تقبض على رقابنا وتجبرنا على الخضوع لسلطان مطالعتها. كل هذه المدونات الشخصية على سبيل المثال تجذبنا لقراءتها على مدار ساعات كل يوم. من غير أن يظهر لأي منا كنه الفائدة الحقيقية من مطالعة كل هذه الأفكار والخواطر الشخصية. ربما كان الأمر ممتعاً وذا فائدة وجدانية ما. لكن أن تمر على بضع عشرة مدونة كل يوم.. متى يسعك أن تدون أفكارك أنت الشخصية إذاً؟ وهذا التدوين ألا يتحول هو بذاته لهاجس وهمّ ثقيل مع الزمن؟ كم هو عدد مدونينا الذين يعلنون كل يوم انسحابهم لأجل فترة راحة.. "راحة" من أي عناء؟
فكرة أن الإنترنت بانفجارها المعرفي تسهم في "تسطيح الثقافة" قد تم التطرق لها منذ زمن. من ذلك ظاهرة "انتشار الخبراء" والتي أسهم تحالف الإنترنت مع القنوات الفضائية في خلقها. فمع وجود ملايين المصادر على الإنترنت التي تتحدث عن كل شيء، صار بوسع أي واحد منا أن يتكلم كخبير في أي شيء. والأمر لا يحتاج لأي تخصص أكاديمي ولا بحث معمق. بالعكس.. فالعمق مرفوض تماماً في عرف الفضائيات التي تروج للمعلومة السهلة الخفيفة. ومع الإنترنت صار بوسع أي منا أن يعد "نبذة" عن أي موضوع، من ارتفاع أسعار الطماطم إلى تخصيب اليورانيوم. وهذه ظاهرة مشاهدة على المدى الفردي أيضاً. فتعريف "القراءة" الآن وممارستها اختلفا مع وجود الإنترنت. الكتاب كيان ثقيل وفيه عدة فصول ومئات الصفحات. أما التقرير أو التدوينة على النت فهي بالكاد تتجاوز الألف كلمة إن كانت طويلة. وهذه حقيقة بالإضافة للطبيعة المفتوحة للإنترنت قد أطلقت طوفان النشر على مستوى العالم. الكل صار ينشر. والكل لا وقت عنده للقراءة الطويلة المتعمقة.
لكن هذا النمط الجديد من القراءة له تأثير على تطور العقلية البشرية. نحن على النت لا نقرأ وإنما نمر بأعيننا على الصفحة أو نستخدم زرّي (Ctrl) و (f) بحثاً عن معلومة بذاتها. مع الكتاب فالأمر مختلف لأن الفكرة ليست مباشرة. هناك تدرج في الطرح وتشعب وخلاصات مبعثرة بين الفصول والسطور. والمرور بهذه المراحل هو ما يخلق وعي كل منا وملكته على التفكير والاستنتاج. هذه خبرة تقتلها الإنترنت بسبب طبيعة مادتها المبتسرة.
مع ذلك فإن البعض قد يجادل بأن كثيراً من الكتب والنصوص المطولة متوافرة على الإنترنت بأكثر من صيغة مقروءة ومسموعة أيضاً. وهذا صحيح ولكنه يعيدنا للتساؤل الأول. فكل هذا الرفاه المعرفي يتحدانا كي نلم به. كثير منا يضيع ساعات في "تجميع" نصوص الكتب من مواقع تنزيلها على النت.. لكن متى نقرأ كل هذه المواد؟!
ثمة أزمة أخرى تواجهنا بها الإنترنت.. فهي باتت تقضي على مهاراتنا الاجتماعية. وهذه مسألة مشاهدة مع الأجيال الأصغر عمراً. الإدمان على النت يعني المزيد من الوقت في مواجهة الشاشة وذلك على حساب الوقت مع الأسرة والأصدقاء. ومظاهر هذا الفقر الاجتماعي مضحكة. فالمراهقون المدمنون على الإنترنت لا يجيدون حتى المضي في محادثات مفيدة. حصيلة هؤلاء اللغوية.. من المصطلحات العامية حتى.. ضعيفة. لأنهم "يتكلمون" في معظم أوقاتهم باستخدام تعابير "الأرابيش" والرسوم الرمزية.. يبتسمون عبر الفواصل المنقوطة المتبوعة بأقواس. المراحل المتقدمة لهذا الإدمان تتمثل في أن المرء يفضل رفقة حاسبه المحمول والحيوات الافتراضية التي يقدمها على رفقة البشر الحقيقيين. وهذه أزمة حقيقية ومشاهدة. مشاهدة في المقاهي وصالات انتظار المطاعم والاستراحات. في الأماكن التي يفترض أن يتحادث فيها البشر ويتفاعلوا مع بعضهم.. ليضيعوا المزيد من أوقاتهم عوضاً عن ذلك في بحر الشبكة المتلاطم.
صحيح أن الإنترنت تسهل التواصل على نحو باهر وتوجت تقنية هذا الزمان.. لكن فكروا في كم الارتقاء بالقيمة الإنسانية التي سيحققها كل منا لو مرّ عليه شهر من دون إنترنت!
* نقلا عن صحيفة "الوطن" السعودية
|
