محمد خالد الأزعر
تسيبي ليفني، وزيرة خارجية حكومة إيهود أولمرت الانتقالية وزعيمة حزب كاديما الحالية والتي تنافس على رئاسة الوزارة في الانتخابات النيابية الإسرائيلية المقبلة، لا تحتاج إلي أقنعة خارجية تجمل صورتها أو تزين نوازعها الإيديولوجية ورؤاها السياسية.
ذلك لأن خدمتها الممتدة في أجهزة الاستخبارات الصهيونية، لابد وأنها أسبغت عليها مثل هذه الأقنعة حتى باتت جزءاً أصيلاً من مكونات شخصيتها. وعليه، فإن الاقتراب مما يعتمل في العقل الإيديولوجي والسياسي لهذه المرآة، الوافدة من عالم الاستخبارات السفلي، يستدعي الانتباه إلي ما بين سطور تصريحاتها وما هو أعمق من سلوكها وتصرفاتها الظاهرة.
أثناء مداولاتها لتشكيل وزارة ما بعد أولمرت المستقيل، رفضت ليفني الائتلاف مع بعض الأحزاب، التي قيل انها أرادت التمرد على التفاوض مع الفلسطينيين ولا سيما حول قضايا اللاجئين والقدس وحدود 1967. عندئذ، أحسن بعض المتابعين والمعنيين الظن بهذه السيدة الإسرائيلية الواعدة، باعتبارها فضلت المغامرة بخوض انتخابات قد تخسرها على الخضوع لابتزازات أحزاب أخرى انتهازية لا يهمها الإطاحة بآمال التسوية مع الفلسطينيين والسلام مع العرب!
لكن ليفني صعب عليها فيما يبدو أن تظهر بصورة حمائمية أكثر مما هي حقيقتها، كونها قادمة أصلاً مما يعرف بتيارات اليمين الصهيوني الليكودي الذي انشق عنه معلمها أرييل شارون قبيل غيبوبته .. وهي في الوقت ذاته، أحست بأن هذه الصورة «الدعائية» تشكل خطراً عليها في موسم الانتخابات ومساوماته المحتدمة.
والأرجح أن مخاوفها من هبوط شعبية «الحمائم» والسلاميين في غمرة هذا الموسم ساقتها إلي التخلي عن حسها الاستخباراتى الحذر. وعليه، راحت تفصح عن مواقفها الحقيقية الأميل إلي مربعات القياديين الموصوفين بالتطرف اليمني القح وعلي رأسهم منافسها القوي بنيامين نتنياهو.
ضمن توجهها هذا، تحدثت ليفني عن الخيار الذي تفضله لمصير فلسطيني 1948 وهو نقلهم إلي الدولة الفلسطينية المزمعة، ضماناً لنقاء إسرائيل اليهودية .وفي هذا الإطار بدت زعيمة كاديما وكأنها فقدت لياقتها وحذرها السياسي المصطنع بأكثر مما ينبغي. وقد تجلت هذه الزلة الكبيرة في ردود الأفعال السلبية داخل أوساط فلسطيني 48 وفلسطيني وعرب التسوية بالجوارين القريب والبعيد وبعض دعاة السلام داخل القطاعات اليهودية.
لقد فات ليفني في حمأة تحرقها لمزاحمة نتنياهو وبطانته أن معظم القيادات الإسرائيلية تضمر خيار «الترانسفير» هذا بأشكال مختلفة، لكنهم يجيدون تغطيته والتمويه عليه .. وأن من يعبر منهم عنه بفجاجة وصراحة يرمي بالتطرف وقد يجبر البعض على التبرؤ من فعلته التي تجر على النظام الإسرائيلي صفة اللا ديمقراطية والفصل العنصري.
والشاهد أن زعيمة كاديما حاولت استدراك أقوالها بنفي أنها تتأبط شراً بالأقلية العربية في إسرائيل.. بيد أن لعثمتها تبقي دليلاً على مكنوناتها تجاه مستقبل هذه الأقلية، وعلي قوة المحدد الأيديولوجي الصهيوني الكلاسيكي في عقلها السياسي، وعلي أن صعودها المتوقع في صدارة النخبة الحاكمة في إسرائيل، سواء ترأست الوزارة المقبلة أم فشلت في تحقيق هذا الهدف، لا يحمل بشارات لجهود التسوية الفلسطينية ولا لمعسكر الاعتدال العربي عموماً.
ولا ينطوي على مثل هذه البشارات أيضا تصريح ليفني أمام لجنة برلمانية أوروبية (3/12/2008) عن ضرورة.. ترك الفلسطينيين والإسرائيليين يواصلون مفاوضاتهم من دون ممارسة ضغوط عليهم وبعيداً عن تدخل المجتمع الدولي، وذلك في عملية ثنائية مهما استغرقت من وقت... ثم تصريحها بعد عشرة أيام عن الحاجة الإسرائيلية الملحة للقيام بعملية عسكرية واسعة في غزة تجهز على بؤر الإرهاب هناك،الأمر الذي بدأت محاولة تطبيقه حرفيا بعد أسبوعين.
وقد ينظر إلي هذين التصريحين وسواهما من زاوية التصقر الذي تود ليفني الاتشاح به بين يدي التلاسن والمماحكات الانتخابية ،لكن الأمر يعدو في تقديرنا هذا المنظور التفاؤلي. فنحن إزاء شخصية نسائية قيادية أمينة على أهم ثوابت السياسة الإسرائيلية الفلسطينية.
الوساطة الدولية، لا تمثل حاجة ترفيه أو تكميلية على مسار التسوية الفلسطيني وذلك لأن من شأنها، لا سيما إذا ما كانت نزيهة وحيادية، إحداث بعض التوازن بين الطرفين المعنيين ودرء تأثير القوة الإسرائيلية الفائضة جداً مقابل الطرف الفلسطيني.. ثم أن هذه الوساطة تستلزم استدعاء الإرث القانوني الحقوقي والشرعية الدولية الفلسطينية إلي دائرة التفاوض، الأمر الذي يعزز بدوره من حجة هذا الطرف .
علاوة على هذه المسوغات الموجبة للحرص الفلسطيني على تسفيه دعوة ليفني وبقية الطاقم القيادي الإسرائيلي للاستفراد بالفلسطينيين، لابد من الانتباه إلي أهمية عامل الزمن بالنسبة إلي صيانة الحقوق الفلسطينية. فالزمن لا يكون محايداً إلا عند تساوي الطرفين المعنيين في القدرة على استغلاله ،تحسينا لمواقعهما ومكانتيهما التفاوضية.
والذي لا ريب فيه أن ليفني وبطانتها ما استخفوا بهذا العامل إلا عن يقين بأنه يتحرك لصالحهم . المراد أن مزيدا من وقت التسوية الضائع يراكم مكتسبات مضافة لإسرائيل مسحوبة من رصيد الجانب الفلسطيني:بالتوسع الاستيطاني عموما وفي محيط القدس بخاصة وبإعطاء فسحة زمنية لاستكمال الجدار العنصري وبالضغط على المناطق الرخوة الفلسطينية الاقتصادية والاجتماعية وبتصاعد احتمالات تيئيس اللاجئين من تطبيق حق العودة.
ولنا أن نضيف إلى هذه الخسائر ما يعنيه مرور الوقت من ظلال قاتمة بالنسبة لمصير مشهد الانشطار الفلسطيني متعدد الأبعاد والمعالم، وما يلحق بهذا المشهد ويتأتي عنه من فتور وضجر عربي وعزوف دولي تجاه دعم القضية الوطنية الفلسطينية .
آراء ليفني ورؤاها، ما ظهر منها وما بطن ، تستحق في كل حال وقفة تأمل. ففيها مزيج من صهيونية جولدا مائير وطموحها وثعلبية بن جوريون وشمعون بيريز ومخالب ارييل شارون وعنجهية بنيامين نتنياهو ونعومة موشي شاريت ويوسي بيلين وعمق اسحق رابين وفجاجة اسحق شامير، الذي قال يوما انه سيفاوض الفلسطينيين لعشرات السنين.. وهذه مواصفات تبدو قياسية ومستحبة لدى جمهرة الصهاينة والإسرائيليين في الأجلين الحالي والمنظور.
*نقلاً عن صحيفة "البيان" الإماراتية |
