طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 16 محرم 1430هـ - 13 يناير 2009م

جريمة المحرقة لن تمر

 

فهمي هويدي

إحدى الخلاصات التي نخرج بها من متابعة المشهد في غزة أنه لا شيء تغير في “إسرائيل”، لكن العرب هم الذين تغيروا.

(1)

“قتلت ما بين 80 إلى 100 فلسطيني، من النساء والأطفال. الأطفال كانوا يقتلون بتحطيم رؤوسهم بالعصي. لم يكن هناك منزل واحد بلا جثث. أجبر الرجال والنساء على البقاء في بيوتهم بلا طعام أو ماء. ثم جاء الجنود لكي يفجروا المنازل بالديناميت. أمر قائدنا أحد الجنود باحضار امرأتين إلى المنزل الذي كان على وشك تفجيره”.. جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل اطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخرى معها جنينها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك اطلقوا النار عليها وعلى طفلها. القادة المتعلمون من ذوي الأخلاق الحسنة، الذين كانوا يعدون “أفضل الرجال” تحولوا إلى قتلة في معارك الطرد والإبادة التي انطلقت من الاقتناع بأنه كلما كان هناك عرب أقل، كان ذلك أفضل ل”إسرائيل”.

“كان علينا أن نهاجم اللاجئين الفلسطينيين، انقسمنا إلى ثلاث مجموعات، كل واحدة ضمت أربعة أشخاص. شاهدت مع زميل لي عربياً يقف عند منحدر التل. قال لي زميلي جبيلي: هار، جهز سكينك. زحفنا نحو الرجل الذي كان يردد لحناً عربياً، فسارع جبيلي إلى الإمساك به، وأنا أغمدت السكين في عمق ظهره. رأيت الدماء تتدفق على قميصه القطني المخطط. ودون أن أضيع أية ثانية، تصرفت تصرفاً غريزياً وقمت بطعنه مرة أخرى بالسكين، تأوه الرجل وتمايل ثم سقط مضرجاً في دمائه”.

هذان النّصان لا يصفان شيئاً مما يحدث في غزة هذه الأيام، ولكن الأول منهما جزء من شهادة جندي شارك في احتلال قرية الدوليمة الفلسطينية عام ،1948 نشرتها صحيفة “دافار” “الإسرائيلية” في 9/6/1979.

أما الثاني فهو مقتبس من يوميات جندي اسمه مائير هارتزيون، تحدث فيها عن تجربته مع الجيش “الإسرائيلي” في بداية الخمسينات، التي نشرت في تل أبيب عام 1969. وكانت صحيفة “هآرتس” قد سألته حينذاك عما إذا كان يشعر بوخز الضمير جراء ما فعل، فنفى ذلك، وقال إن طعن العدو بالسكين “شيء رائع” يمنحك احساساً بأنك رجل حقاً. (القصتان وردتا في ثنايا كتاب صدر مؤخراً عن دار الشروق الدولية حول “إرهاب “اسرائيل” المقدس”).

(2)

هذا الذي حدث قبل ستين عاماً يتكرر الآن في غزة. لكن السلوك “الإسرائيلي” اختلف في الدرجة، في حين أن الموقف العربي اختلف في النوع. ف”اسرائيل” ظلت على موقفها في الفتك بالفلسطينيين واستباحة دمائهم. في الاربعينات أرادت تهجيرهم والآن تريد تركيعهم. ووقتذاك استخدمت السلاح والآن أضافت إليه الحصار. وما فعله النازيون معهم حين وضعوا اليهود في معسكرات الاعتقال ثم ساقوهم إلى غرف الغاز، فإن “الاسرائيليين” حولوا غزة بالحصار إلى معسكر للاعتقال، وأقامت لهم محرقة باسلوب آخر، حيث عمدت إلى قصفهم ودك بيوتهم فوق رؤوسهم من الجو والبر والبحر. بل لم يتورعوا عن ضرب مقرات المنظمات الدولية (الصليب الأحمر ووكالة غوث اللاجئين) وقصف سيارات الإسعاف وتصفية المسعفين. الأمر الذي يعني أنهم ضاعفوا من وحشيتهم واستهتارهم وتنكيلهم بالفلسطينيين.

أما اختلاف الموقف العربي في النوع، فيظهر جلياً حين نلاحظ أنه في الاربعينات كان هناك توافق بين الحكومات والشعوب العربية على ضرورة مواجهة العدوان الصهيوني الذي أسفر عن وجهه في منتصف الثلاثينات، الأمر الذي وفر مناخاً مواتياً لفتح الباب واسعاً لتطوع المجاهدين من أنحاء العالمين العربي والاسلامي، ولإشراف الجامعة العربية على جمع المال والسلاح لمقاومة تقدم العصابات الصهيونية. وهو ما انتهى بإعلان الحكومات العربية في عام ،1948 من خلال اللجنة السياسية بالجامعة زحف الجيوش المصرية والسعودية واللبنانية والعراقية والاردنية لمساندة شعب فلسطين “لأن أمن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية”، كما ذكر البيان الذي صدر بهذا الخصوص.

لست هنا بصدد تقييم النتائج التي يعرفها الجميع، لأن ما يعنيني في اللحظة الراهنة هو المدى الذي بلغه اختلاف الموقف العربي على الصعيد النوعي، فلا الحكومات العربية اتفقت مع بعضها البعض على مواجهة العدوان، بل عجزت حتى عن أن تعقد قمة لاتخاذ موقف موحد، ولا توافقت تلك الحكومات مع شعوبها، التي مازالت أغلبيتها الساحقة على الأقل ثابتة على موقفها الذي عبرت عنه في عام 1948.

الأدهى من ذلك والأمر، أن بعض الحكومات العربية بدت في التعامل مع العدوان أكثر توافقاً وتناغماً مع الدول الغربية، منها مع شقيقاتها العربيات. وكان ذلك أوضح ما يكون في أصداء قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص وقف العدوان على غزة. ناهيك عن اللغط المثار حول الموقف من العدوان ذاته ومن حصار القطاع بوجه عام.

ومادمنا بصدد المقارنة، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل في رصد الموقف الغربي، الذي أفزعته الممارسات النازية الألمانية بحق اليهود في اربعينات القرن الماضي، هو ذاته الذي يقف الآن متفرجاً إزاء المحرقة النازية “الإسرائيلية” بحق الفلسطينيين.

(3)

رغم أن أي تقييم لنتائج المحرقة لا يزال مبكراً، إلا أن ثمة أموراً أبرزت في الأفق الآن، بحيث يمكن التعامل معها كمؤشرات مقطوع بها، أو مرجحة عند الحد الأدنى. من ذلك مثلاً أن ما جرى في غزة لن يمر بسلام، لا عربياً ولا فلسطينياً. وفي هذا الصدد ينبغي أن ننتبه باستمرار إلى أن الشارع العربي يعيش الحدث في غزة يوماً بيوم بل ساعة بساعة. وأذكر في هذا الصدد بأنه إذا كانت “إسرائيل” تمارس الآن بدرجة أعلى ذات الجرائم التي ارتكبتها في فلسطين، فإن تفصيلات تلك الجرائم لم يتعرف إليها العرب والمسلمون إلا بعد سنوات من وقوعها، وأن الاعلام كان ضعيفاً في اربعينات القرن الماضي. لكن الأمر اختلف الآن تماماً، لأن الناس أصبحوا يتابعون ما يجري في غزة ساعة بساعة، وفي أحيان كثيرة فإن مشاهد المحرقة تنقل إليهم مباشرة عبر بعض الفضائيات، ولا ينبغي أن يستهان بهذه التعبئة المستمرة التي شحنت الشارع العربي بمختلف مشاعر السخط والغضب، ليس على “اسرائيل” وما تفعله، ولكن على العجز الذي ظهر في مواقف الأنظمة العربية ذاتها. وهذا وجه الخطر في الموضوع.

ذلك أن مواقف الأنظمة العربية، التي وضعت أغلبها موضع الاتهام إما بالتقاعس أو بما هو أبعد من ذلك وأسوأ، أحدثت أزمة ثقة عميقة بين الجماهير وبين تلك الأنظمة. صحيح أن ثمة فجوة تقليدية بين الأنظمة والشعوب في العالم العربي، لكن الاتهامات التي أصبحت توجه إلى تلك الأنظمة في ظروف الحرب الراهنة، سواء بالتقاعس أو بالموالاة للطرف الآخر، لم تعمق من تلك الفجوة فحسب، وإنما افقدتها رصيد الثقة والاحترام. وفي غياب الشفافية وإزاء استمرار التشنج الإعلامي الراهن، لم يتح للناس أن يتبينوا الحقائق، الأمر الذي وسع من نطاق الشبهات وأبقى على بعض الدول في قفص الاتهام.

لا أظن أننا عشنا زمناً تعمقت فيه أزمة الثقة في بعض الأنظمة العربية، ولا أثيرت حولها الشكوك والشبهات، كهذا الزمن الذي نعيشه الآن. وذلك وجه الخطوره في الموضوع. ذلك أن شعوبنا التي احتملت في السابق ممارسات كثيرة من الأنظمة المختلفة، يصعب عليها ويهينها ويجرح كرامتها، أن تحتمل طويلاً أوضاعاً من هذا القبيل الذي استجد. لا أعرف بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث، لكني فقط أقول إن الممارسات المخزية الراهنة، التي تشعر شعوبنا بالذل والعار، أصبحت تفوق طاقة الصبر عند الناس، خصوصاً أولئك الذين لديهم بالأساس ما يكفيهم من المرارات والأوجاع. وليت الأمر وقف عند حدود المهانة وجرح الكبرياء، لأن المشهد لم يخل من “فضيحة” أيضاً، بعد أن وجدنا فنزويلا تطرد سفير “اسرائيل” لديها، وموريتانيا تستدعي سفيرها في تل أبيب، وتركيا تعلق اتصالاتها مع “إسرائيل”، ومهاتير محمد يدعو من ماليزيا إلى مقاطعة البضائع الأمريكية، في حين يسود الخرس عواصمنا، ويخيم عليها “صمت الحملان”!

(4)

هل يمكن بعد الذي جرى أن يتحدث أحد عن السلام مع “إسرائيل”؟ أرجو ألا يسارع أحد إلى المزايدة علي قائلاً إنني أدعو إلى الحرب، التي لم تستبعدها “اسرائيل” وتتحسب لها باستمرار، لأن ما أدعو إليه حقاً هو سلام مشرف لا يشترط علينا الركوع أو الانبطاح مقدماً. ذلك أن الجنون الذي اقترفته “اسرائيل” في ممارساتها الوحشية في غزة، لم يهدم فقط بيوت القطاع لكنه أيضاً هدم كل ما حاولت “اسرائيل” أن تبنيه من أوهام السلام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة. وقد شاءت المقادير أن تقدم “اسرائيل” على محرقة غزة في العام الثلاثين لتوقيع معاهدة السلام مع مصر (عام 1979)، لتطوي صفحتها وتجهز على ما بقي لها من آثار، خصوصاً بعدما أصبح السؤال المركزي في العالم العربي هو: أليس من العار رغم الذي جرى، أن تحتفظ أي دولة عربية بعلاقات من أي نوع مع “إسرائيل”؟ بسبب من ذلك، فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن نكسة شديدة أصابت أوهام السلام التي حاولت أن تروج لها “إسرائيل”. أعادتها خطوات بعيدة إلى الوراء، حتى أزعم أن “إسرائيل” قد تحتاج إلى عشر سنوات أخرى لكي تعود إلى فتح ذات الملف مرة أخرى.

الملاحظة الأخيرة في هذا الصدد أن “اسرائيل” حين أرادت أن تحرق غزة فإنها حرقت أصدقاءها معها، والأهم من ذلك أن الجريمة أعادت اللحمة إلى الصف الوطني الفلسطيني الذي عانى من التصدعات والانقسام. وهي لحمة يمكن أن تنتقل بالوضع الفلسطيني إلى طور مغاير تماماً إذا ما استمرت مقاومة غزة في صمودها الاسطوري، لأن ذلك الصمود إذا ما تحقق فإنه لن يختلف في أثره عن عصا موسى، التي ذكر القرآن الكريم أنه حين ألقاها “فإذا هي تلقف ما يأفكون”.

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

عودة للأعلى