هاني نسيرة
وتعظم في عين الصغير صغارها .. وتصغر في عين العظيم العظائم
كأن المتنبي قالها في أبي متعب الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي ارتفع فوق صغار النفوس وشنارها وافتتح قمة الكويت، قمة الأخوة، بدعوته لتجاوز مرحلة الخلاف. هكذا الكبار يجمعون ولا يطرحون، يوحدون ولا يفرقون، يفتحون من رحم الأزمة آفاقا جديدة لفعل مشترك ومسؤول.
إن عظم النفوس والعقول يتبدى في اللحظات الحرجة، وسعتها تتبدى حين الأزمات، ومن لا يجيدون إلا الصراخ عليهم أن يسكنوا المقابر لا الحياة.. وصدق من قال:
ْليسَتِ الأَحْلامُ فِي حِين الرِّضَا .. إِنَّمَا الأَحْلامُ فِي حِين الْغَضَبْ
هكذا يمكن أن نتفاءل قليلا بفضل مبادرة أبي متعب الجديدة الجسورة كما تأتي مبادراته جسورة دائما..
ما أهمها من مبادرة! بعد أن خفف وقف إطلاق النار من بعض حزننا الساكن، دون أن يخفف من ألمنا الكامن، أنصارا كنا للاعتدال أو أنصارا للممانعة، سواء في ذلك من سيروا المفاوضات والمبادرات أو من سيروا المظاهرات والمسيرات.. نعم قد هدأ الوضع بعض الشيء حتى نبحث عن سبيل مختلف، ويبحث المواطنون في غزة عن جثث الضحايا تحت الركام..
لكن جرح التشاحن والانقسام العربي -الذي اعتبره بعض من يربحون من ورائه رحمة- قد انفقأ بقوة أثناء التعاطي مع المأساة، تراشق الأسباط الإخوة بالكلام والاتهام بينما أخوهم ملقى في الجب ينازع الموت كما ينازع الحياة.. إن جرح الانقسام لم نكن نتصور التئامه لولا أن لمت أجزاءه هذه المبادرة الجسور من صاحب المبادرات، مبادرة السلام العربية واتفاق مكة وأخيرا مبادرة المصالحة بين الأشقاء العرب، عبدالله بن عبد العزيز.. وما بقى من الإخوة إلا التحلي بروح التوحد والهم الحقيقي من أجل فعل سياسي عاقل وجماعي مسؤول..
لست أمدح الملك الكبير عبدالله بن عبد العزيز، ولكني أشهد له، وأشهد أني ما سعدت بخبر منذ نيف وعشرين يوما، هي عمر مأساة سيزيد عمر ذكراها في السنين أضعاف أضعاف ما بقيت من ساعات أو أيام، إلا بهذا الخبر.. خبر التحام الإخوة والقادة، وتجاوز دوائر الاتهام والكلام. هذا فقط الذي يبشرنا ويقول لنا بأن من رحم الأزمة قد يولد الأمل، وأن أكثر سويعات الليل ظلمة تلك السويعات التي قبل الفجر!
هذا ما تدلي به إلينا قمة الكويت من بدايتها بمصالحة عربية عربية، لا شك أن التزامها المستقيم يعني الوقوف على قدر المسؤولية، والجدية الفعلية في القيام بعمل عربي مشترك من أجل القضية العربية والصورة العربية والإنسان العربي، فهذه المعقولية والذهنية هي ما يمكن أن يضخ الأمل ويداوى الجرح الذي ظننا أنه لن يندمل بسهولة، بعد ما شهدناه في قمة الدوحة وردود الفعل عليها.. فقد ظننا وظن الكثيرون أن جرح الانقسام سيمتد، ومعه لن تزيد مأساة غزة وفلسطين كلها سوى مزيد من العمق والتجذر!
لم يكن انقسام العرب ليكون رحمة بل نقمة على دماء المستضعفين في الأرض، إنها انقسام يكرس الانقسام الداخلي في الأرض الفلسطينية، ولكن الوحدة بين العرب هي وحدها التي يمكن أن تدفع الفلسطينيين نحو الوحدة، ويبقى عليهم فقط أن يرتفعوا عن الاتضاع الأيديولوجي وأن تتاح فرصة للتسوية، وللسلام أن يأخذ فرصته، لأن الحرب لا تصح أن تكون خيارا وحيدا إلا لمن يتيقن كل يقين أنه سينتصر وبأقل الخسائر!
صرح الملك عبد الله في افتتاح القمة العربية في الكويت أن "مبادرة السلام العربية لن تظل طويلا على الطاولة" نعم فهذا الرهان العربي على السلام هو أكبر إحراج لإسرائيل دوليا، وأكبر فعل حضاري يمكن أن يجتمع العرب عليه حتى هذه اللحظة، بل إنه صار مطلبا سياسيا إسرائيليا داخليا بشكل كبير، ومن المهم أن نذكر في هذا السياق أنه في يوم 26 نوفمبر الماضي وقعت 2000 شخصية إسرائيلية مهمة, منهم1400 شخصية من كبار الجنرالات والقادة السابقين في الجيش الإسرائيلي, وفي جهازي الموساد والشاباك, وقادة السلك الأكاديمي, ورجال الاقتصاد في مجلس السلام والأمن على وثيقة تطالب كل الأحزاب المتنافسة في الانتخابات المقبلة -في فبراير القادم- بوضع موافقتها علي مبادرة السلام العربية، التي أعلنها عبدالله بن عبد العزيز على رأس برامجها الانتخابية.
كلي أمل أن تكون قمة الكويت فاتحة.. نفتتح بها واقعا عربيا جديدا يرتفع فوق المراهقة والهرطقة.. فوق الكلام والاتهام نحو الفعل المسؤول والمبادرة المسؤولة والقرار المسؤول بخوض السلام أو خوض الحرب.
وقديما قال الحكماء: إن اتسع لك النهج، فاحذر أن يضيق بك الخروج.
وقال الشاعر:
وإذا هممتَ بوردِ أمرٍ فالتمِسْ .. من قبل موردِه طريقَ المصْدرِ
فشكرا للكويت وشكرا لأبي متعب وشكرا لمن يتجاوزون المرحلة دون كلامولوجيا!
*خاص بـ "العربية.نت" |
