طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 04 صفر 1430هـ - 30 يناير 2009م

"فيتو" على فيدرالية البصرة

 

محمد عاكف جمال

فشل مشروع فيدرالية البصرة فشلاً مزدوجاً لعدم حصوله على الوضع القانوني الذي حدده الدستور العراقي وفق ما نصت عليه المادة 119 من الباب الخامس، وهو ضرورة تحقق أحد شرطين: الحصول على موافقة ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو الحصول على 10% من أصوات الناخبين في المحافظة، فلم يحصل المشروع على أكثر من 3% من أصوات الناخبين.

وهذا أول اختبار حقيقي لمدى شعبية مبدأ الفيدرالية في العراق، فإقليم كردستان الفيدرالي لم يخضع للاستفتاء حيث تم إقرار وجوده كحقيقة قائمة في الدستور نفسه كما ورد في الفقرة الأولى من المادة (117): «يقر هذا الدستور، عند نفاذه، إقليم كردستان وسلطاته القائمة، إقليماً اتحادياً».

والحقيقة أن مشروع فيدرالية البصرة قد لاقى معارضة واستنكاراً شديدين من قبل عدد من رجال الدين الذين لم يتوانوا عن إصدار الفتاوى بذلك كما جرى تحشيد عدد من عشائر المحافظة للوقوف ضده. ورفضه آخرون من منطلق عدم جدواه فهو تبديل لاسم المحافظة إلى إقليم حيث سترهق ميزانيته بالرواتب الضخمة لرئيسه ورئيس وزرائه ووزرائه ونواب مجلسه دون أن يستفيد معظم سكان المحافظة من ذلك. كما يرى البعض مفارقة غير مقبولة في وجوده، فالفيدرالية الكردية قد وحدت أكراد العراق إدارياً وجغرافياً وديمغرافياً في وحدة جغرافية متميزة ودستور خاص وبرلمان وحكومة، في حين إن فيدرالية البصرة تقسم عرب العراق.

أما أصحاب المشروع فقد اتهموا المفوضية العليا للانتخابات بالمسؤولية عن هذا الفشل لعدم القيام بتوفير الأجواء واللوجستيات اللازمة لذلك كما وجهوا سهام اللوم إلى المؤسسة الإعلامية الرسمية لتقصيرها. كما عزا آخرون هذا الفشل إلى عدم التناغم بين حجم المشروع وتواضع قدرات أصحابه في إشارة إلى أن من تبنى هذا المشروع هم أفراد لا يتمتعون بقاعدة شعبية واسعة. ولا يتردد آخرون في الإشارة من طرف خفي إلى أن من مصلحة قيادات بعض التكتلات الكبيرة التي تطرح فيدراليات أوسع تضم عدة محافظات أو تضم جميع محافظات الوسط والجنوب إفشال فيدرالية البصرة لأنه لا يمنحهم حق الزعامة على الإقليم فهم من محافظات أخرى.

إلا أن من خطل الرأي التوقف عند هذه الأسباب فقط وإهمال أسباب أخرى، فإن ما هو جدير بالتركيز عليه هو مدى شعبية مبدأ الفيدرالية في الظروف التي مر بها العراق والتي أسهمت أحداثه الدامية والملتهبة في كشف الكثير مما كان خافيا على الناس وأسهمت في الإسراع في توعيتهم على حقيقة ما جرى ويجري من استغفال الملايين والحصول على أصواتهم لتكريس واقع، دستوري في ظاهره، إلا أنه المثال الأجود في الفساد على مختلف المستويات.

طرأ تغيير كبير على المزاج العام في العراق بعد تجارب مؤلمة خاضها على طريق التشرذم وبعد أن عانى ما عانى من بعض الكتل السياسية التي وظفت مقدسات الناس لمصالحها وبعد أن تحولت أحلام من وثق بهم وبوعودهم وشعاراتهم إلى سراب زادهم فقراً وغماً. وليس من المستبعد أن يفقد البعض ممن وصلوا إلى مواقع قيادية في العراق الجديد ما حصلوا عليه في الانتخابات القادمة لمجالس المحافظات يوم غد.

مشروع تقسيم العراق إلى فيدراليات مشروع قديم ورد إلى العلن منذ مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد في فيينا عام 1991 وأعيد التأكيد عليه في مؤتمر صلاح الدين الذي انعقد عام 1992 والذي كان المقدمة لتأسيس المؤتمر الوطني العراقي الموحد، ثم في مؤتمر لندن الذي سبق احتلال العراق.

وقد كُرس هذا المبدأ في قانون إدارة الدولة العراقية في المرحلة الانتقالية عند احتلال العراق ثم في الدستور الدائم وسط أجواء غير صحية بالمرة طغت فيها ثقافة المحاصصة العرقية والطائفية على ممارسات الشارع العراقي وتمترست فيها المليشيات خلف زعماء الطوائف. وقد حمل هذا المبدأ الذي ولد فضفاضاً، منذ البدء بتداوله، مذاقاً فيه ما يشي بوجود نوايا لا تتردد عن الخروج من كمونها لتقوم بتفكيك العراق على أسس دستورية شرعية لتحقيق طموحات بعض قادة التكتلات في الزعامة والتسلط.

فقد ارتبط مبدأ الفيدرالية، منذ دخوله في الثقافة السياسية العراقية بفكرة الانفصال وتقسيم العراق. فهناك من يرى بأن الفيدرالية المطروحة في البصرة أو في غيرها قد تخفي أجندة مبهمة خاصة وهو يرى إقليم كردستان قد أصبح في إطار الفيدرالية في وضع أقرب إلى وضع الدولة المستقلة وفي تضارب وخلاف مع السلطة المركزية سواء في تفسيره لصلاحيات سلطات الإقليم أو في ما تحمله التصريحات التي تطلقها قياداته من معانٍ.

لم تبدِ حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي أي تعاطف مع المشاريع الفيدرالية إذ تنظر إليها بتوجس وريبة وتعتبرها مشاريع تنهي أهمية السلطة المركزية في العاصمة، كما توسعت في الفترة الأخيرة مساحة التحفظ عليها بل ورفضها. ولم يعد يدعو إليها بشكل متحمس غير المجلس الأعلى الإسلامي الذي يطمح إلى توحيد المحافظات التسع في الوسط والجنوب في إقليم عاصمته النجف.

الفيدرالية خيار مصيري ليس من الصواب الإسراع في الخطوات نحوها، فهي إطار للعلاقات الإدارية والسياسية قد يضعف السلطات المركزية التي لا تزال هشة في الوقت الحاضر، وهي إذ تعيد رسم مسارات البلد حاضراً ومستقبلاً في الداخل وعلاقاته مع الآخرين في الخارج قد تترك آثاراً لا تكون في صالح النسيج الاجتماعي العراقي الذي خرج متعباً من أعوام عصيبة أوشكت أن تمزقه.

الفيدرالية من الناحية الأكاديمية شكل متطور من التوجهات والممارسات الديمقراطية يفتح مجالات أرحب لتحقيق تنمية أفضل وخلق فضاءات أوسع أمام المواطن العراقي لتحقيق طموحاته في مشاركة أوسع في رسم السياسات واختبارها شرط أن تكون الفيدرالية بإرادته وفي ظروف يمتلك فيها كل فرد وعيه كاملاً وتتضاءل فيه سلطة الانقياد لآخرين. كان من الضروري أن ينص الدستور العراقي على فسحة زمنية كافية تسبق أية إجراءات للمباشرة في وضع الفيدرالية موضع التطبيق كي لا ينفرد في تقرير ذلك قيادات قد تكون مؤقتة.

* نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية

عودة للأعلى