لم ير بعض الأخوة من قادة حماس الذين تحدثت إليهم ما يستحق التعليق في ما نشرته صحيفة "كيهان" الإيرانية بعنوان رئيسي "خالد مشعل يقدم تقريرا حول حرب غزة لولي أمر المسلمين" مع صورة تجمعه بالمرشد الأعلى خامنئي.
قلت لهم إن السياسة الشرعية في الإسلام تراعي مقتضى الحال، وهو تماما كتعريف اللغويين لمعنى البلاغة، أو "فن الممكن".
وجهة نظرهم أن حماس ليست مسئولة عن "كلام جرائد". وهذا في رأيي عورة في وعيهم السياسي، فكيهان ليست جريدة عادية، ورئيس تحريرها حسين شريعت مداري، ليس من الصحفيين الذين نقرأ مقالاتهم ثم نطوي الصحيفة دون إكتراث.
في إيران يقولون إن ما يكتبه يعادل إستدعاءً أمنيا عاجلا، كناية عن قربه الشديد من الجهاز الأمني ومن القائد الذي هو "المرشد الأعلى".
"كيهان" هي نسخة الصحيفة الإيرانية العريقة التي تصدر من طهران، ممثلة للتيار المحافظ والمرشد الأعلى، وهناك نسخة لندنية تناقضها تماما، تمثل أنصار العهد الامبراطوري. فقد كانت تلك الصحيفة مع "إطلاعات" الرصينة موجودتين أيضا في ذلك العهد، وبقيتا بعد ثورة الخميني، إلا أن الكادر القديم من أصحاب ومحرري "كيهان" هاجر إلى لندن وأعاد إصدارها من هناك.
يجب أن تشعر حماس بالحرج من تسمية "كيهان" لخامنئي بأنه ولي أمر المسلمين وهو يتلقى بهذه الصفة تقرير خالد مشعل عن حرب غزة، فالحديث المستمر عن الأجندة الإقليمية والتنافس على احتواء حماس، يجعل من الأولويات مراعاة السياسة الشرعية في كل همسة ولمسة وتصريح و"عطسة"!
شريعت مداري الذي لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إنه صحفي المرشد الأعلى والناطق بفكره وتوجهاته، شن هجوما قاسيا مستخدما ألفاظا بالغة السوء لا يمكن قبولها صحفيا أو سياسيا، على السعودية عندما أعلنت في قمة الكويت الإقتصادية تبرعها بمليار دولا لإعادة تعمير غزة.
ولا يتوقف إطلاقا عن هجومه على مصر، وإستغلال كل تصريح اسرائيلي يصب في خانة الإساءة إليها، مثل قول شيمون بيريز إن بعض الأنظمة العربية سعيدة بما فعلته اسرائيل في غزة وتتمنى القضاء على حماس!
على العكس منه الدكتور والفيلسوف علي لاريجاني رئيس البرلمان وكبير المفوضين الإيرانيين في مسائل الأمن القومي ومنها البرنامج النووي. هذا الرجل الذي يُحسب على من يتم تصنيفهم بالمحافظين التقدميين، رد على الصحفيين في مؤتمر صحفي بطهران يوم الاثنين الماضي بأن بيريز يريد زرع الفتنة بين الدول العربية والإسلامية. واستخدم عبارة "الأصدقاء المصريين" وهو يتحدث عن إتصالات جرت معهم للسماح لوفد من النواب الايرانيين بدخول غزة عبر معبر رفح.
والأكثر أنه التقى بنفسه عمرو الزيات رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية في طهران، طالبا منه بذل جهوده لتوافق مصر على دخول الوفد، مع أنه الرجل الثالث في السلطة، ويمكن أن يقوم بذلك أصغر دبلوماسي في وزارة الخارجية.
ما يعنينا هنا أننا أمام تيارين محافظين في السلطة، كلاهما موجود ومؤثر في سياسة إيران، أحدهما يريد إظهارها بمثابة ولي أمر المسلمين، الآمر الناهي الذي يجب أن تمد واشنطن الأيادي إليها إذا أرادت حل القضية الفلسطينية وإنهاء النزاع العربي الاسرائيلي، والثاني يراعي مقتضيات السياسة الشرعية، فلا يطلق تصريحات أو عناوين مستفزة تفسر بكونها أجندة إقليمية.
أنا لا أنظر للأمور نظرة مذهبية، وأكره وضعها في دائرة الإختلاف العقيدي، فإيران في النهاية دولة إسلامية كبيرة، وستكون إضافة للقضية الفلسطينية، لو تخلى التيار الأول عن المناورة واللعب بورقة حماس، وطمأنة الدول العربية بأنها ليست راعية لما يقال عن هلال شيعي في العالم العربي يريد مد مناطق نفوذه وتأثيره.
على قادة حماس ألا يقعوا في محظور الأوصاف التي تطلقها إيران للفت نظر الولايات المتحدة إلى قدراتها الإقليمية. لقد وفرت لقاءات مشعل وتصريحاته النارية بخصوص تحرير القدس بمعية الإيرانيين بعد حديثه إلى "ولي أمر المسلمين" مناخا مناسبا للرسائل التي أرادت طهران أن تبعثها لواشنطن.
وبعد ذلك بيوم واحد أرسل محمود أحمدي نجاد رسالة تكمل الصورة الذهنية عن إمكانياتهم كولاة أمر، وكقوة كبرى في المنطقة والعالم الإسلامي، تمثلت في الاحتفال بإطلاق أول قمر صناعي إيراني الصنع في مدار حول الأرض في الذكرى الثلاثين للثورة الإسلامية.
الرسالة تقول باختصار إننا إذا أمرنا سنطاع لأننا الأقوى عسكريا وسياسيا وعلميا في العالم الإسلامي.. ونحن فقط الذين نقف في الكفة الأخرى مقابل اسرائيل في ميزان منطقة الشرق الاوسط، وإذا كان هنالك حل فسيمر عبر طهران.
ومن السائد في التربية الشرقية والإسلامية والعربية أن طاعة ولي الأمر واجبة بدون نقاش، حتى لو جاء لهم يوما بما يعارض موروثهم الثقافي والفكري، لذلك كان الرئيس الراحل أنور السادات يركز دائما على أنه كبير العائلة المصرية، أي لا وجود لرأي آخر أو خروج عن المنظومة.
التيار المحافظ الذي يفضل تسميته بالأصولي، وعلى قمته المرشد الأعلى، والذي سيحرر القدس عسكريا حسب كلام مشعل، أرسل قبل عدة شهور إلى واشنطن "اسفنديار مشائي" مساعد الرئيس نجاد، عقب تصريح مثير له في طهران بأن الشعب الإسرائيلي صديق للشعب الإيراني، ثم التقى "هاشمي ثمرة" المستشار الأعلى لنجاد أربع مرات بمسئولين أمريكيين بصحبة محمد علي سلطانية ممثل إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
احتفى اللوبي الإيراني في أمريكا بتصريح مشائي، وقدمه هدية تقارب، يؤكد من خلالها أن النفوذ الإيراني الإقليمي والنووي لن يهدد اسرائيل.
نعم.. أثار هذا التصريح غضبا في طهران. لكنه جزء من الميكيافيلية، فقد تدخل المرشد سريعا لإغلاق الملف وإعتباره زلة لسان لا تستحق، في حين لم يعلق الرئيس نجاد ببنت شفة!
* خاص بـ"العربية.نت"