هاني نسيرة
الفرد يغتال الفرد، يستبد به متى قدر عليه أو إذا شاءت ظروف موضوعية أو غير موضوعية أن يكون أعلى رتبة أو مرتبة!
مهما لفت الفرد هالات القداسة ومنوطات الاعتبار وتمكنت في الأرض شرعيته، عاد عن إنجازه القهقرى معتمدا على شرعيته، حيث لا محاسب ولا حسيب، ليستبد وليمارس الفوضى تحت دعوى أنه يملك أو يدير كل شئ، يحبس عامر ابن عبد قيس العنبري أو يقتل الحلاج أو يطفش مئات الكفاءات لبلاد المؤسسة هروبا من بلاد الفرد!
إن التعريف الهوبزي للاستبداد "اتحاد الكثرة في الفرد" هو التعريف الأدق، حين نكون محكومين بالوصي العالم العارف الملهم الموهوب، بالقائد الملهم والنبي البطل بتعبيرات عمنا ميشيل عفلق، عن قواد القومية العربية، وتكون المعايير حينئذ سرا مقدسا يحتفظ به الفرد وحده، وليست معايير شفافة تتيح للجميع التعاطي معها بوضوح وكفاءة ويعرف الجميع حقه كما يعرف واجبه، دون أن يعرف واجبه فقط دونما حق!
إذا دعوت شابا يانعا للطموح قال ولماذا؟ الأماكن محجوزة بل صار البعض يفتقد الإحساس بجدوى التعلم والتعليم أو التطور والتطوير، لأن هناك الفرد الذي سيحدد وحده كل شئ، حسب مصالحه وربما حسب أوامر الفرد الذي يرأسه، يفقد الأفراد الأمل بسبب الفرد، ويصيبهم الإرهاق ويهلكهم الأرق، بل وتضيع الأمم والحضارات ونسقط في هوة التخلف فلا نقوم، بسبب الفرد، الفرد الذي يخوض الحرب على العقل على التنوع.. على المواطنة.. على حقوق الأفراد الآخرين.. على المستقبل حين يهدر الثروات والطموحات في أتون رغباته وبحار رغائبه!
نعم لئلا يعود هارون الرشيد، كما صرخ القصيمي يوما، فقد سئمنا الأفراد، سئمنا المؤسسات التي تختزل في أوامر ونواه لرئيس ومدير مستبد، وسئمنا النفاق، إذا رأينا المداحين سنحثو في وجوههم التراب كما دعانا النبي-ص- يوما لذلك..إن مخرجنا وسبيل حلنا هو إقرار مبدأ المؤسسة.. المؤسسة الشورية التي تراعي تنوع الأفراد دون أن يستبد بها فرد، حتى لو سماها شورية وحديثة، فالمؤسسية مبدأ مضمون وروح وجوهر وليست شكلا أو مظهرا!
تفقد المقولات الحديثة في عالمنا العربي كثيرا من حقائقها، نشوه جوهرها ومظهرها، فهذه جامعة مكتبتها معطلة، وهذا أستاذ بروفيسور ذهنه معطل، حدثني يوما الصديق الراحل الجميل هشام شرابي قائلا: " كثير من حملة الدكتوراه أميون" وهذا سياسي يدير شؤون نفسه على حساب شؤون الناس، وهذا صحافي مرتزق غاو للفضائح والصفرة والهياج دون أن يبني في الناس وعيا أو يضئ لهم شمعة!
وهذا حقيقي منفي مقصى لا لشئ إلا لأنه حقيقي، ليس محترف علاقات، ليس مجاملا ولا مداهنا، وربما يكون يائسا من المؤسسية في عالمنا العربي حيث اللامعايير!
عرفت في القاهرة شاعرا عاميا متصعلكا، علم نفسه بنفسه من الالف باء حتى قراءة إبداعات الآخرين، كل شئ عنده كلام وبحث عن ارتزاق، يحيا السيولة في كل شئ، لا معايير في حياته مطلقا، يتجرء على الوزير في ندوة متشبها بالمجانين فيحصل على منحة تفرغ، ولكن قال يوما كلمة مهمة لم أذكر سواها منه: "إذا غابت المعايير فلتكن معيار نفسك"!
أليس عجيبا في بلادنا العربية أن نيل المطالب يؤخذ غلابا، ليس عبر الجهد والبناء ولكن عبر العلاقات وبالعامية المصرية "التظبيطات" يقولون "ظبطه" فتجد من لا يعمل يتقاضى أجرا يضاعف من يعمل مرات، ومن لا يفيد هو أكبر مستفيد، وصار الكاتب الكبير مرادفا للمنصب الكبير، أو للبوق الكبير، من يقوى على الصياح والنفير وليس على التفكير!
حتى وإن نبغ أفراد متوحدين بعيدين عن المؤسسة، وهم أيضا كثر، فهم لا ينجحون إلا بعيدا في بلاد المؤسسة، أو يعيشون يلفهم النسيان أو التناسي، أما الزائفون فيملأون الأفق حتى لا تكاد ترى ضوء الشمس!
لست متشائما فأنا احفظ جيدا "وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" وأكرر دائما أن الحق قديم، وأن الزيف ضعيفة بنيته هشة جنته، سريعا ما ينكشف، وينسى! وكم من كبار فرضوا علينا وصنعوا رموزا سريعا ما انكشف زيفهم وزال ذكرهم!
في مشروعه الفكري الجاد يلح المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري على مأسسة الدولة وحضور المؤسسة، حتى يمكن تجاوز فعليا المفاهيم البدائية المستقرة حول الفرد كالقبيلة والطائفة والولاءات البراجماتية، حتى لا تكون الدولة مترهلة مشخصنة سلطتها.. هذا هو المخرج، كفانا تقديسا للفرد وللذات.. نعم لمعقولية التنوع والثراء وفكر الاختلاف وإدارته وليس لفكر التوحيد واستبداده!
نحن لا نحتاج خلافة ولا بطلا كبيرا كصلاح الدين، كما أننا لسنا بحاجة للحداثة المظهرية والاسبتداد المستبطن، نحن بحاجة للمعايير المؤسساتية التي تحمي الأفراد من تغول الأفراد، وتحمي الأفراد من تغول السلطة وتحمي السلطة كذلك من مداحيها ومنافقيها! سواء كانت سلطة سياسية أو ثقافية، فالبعض يذهب للقصر ليغازله والبعض يذهب للشارع ليخادعه.. المؤسسة ستحمي الفضاءين لأنها تعني الفصل وتحديد الحقوق والواجبات كاملة!
أحلم بالمؤسسة منذ قديم.. حين تعني المحاسبية والشفافية وتكافؤ الفرص والفرز النزيه وتجاوز الشللية والضجيج الفارغ!
آه..آه يا وطني كما هتف ناظم حكمت يوما.. كم ظلم فضاءنا العربي أفراد.. حتى ولو كانوا حسني النية!
*خاص بـ"العربية.نت" |
