طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 20 ربيع الأول 1430هـ - 17 مارس 2009م

العرّاب في عزلته

 

مصطفى زين

للمافيا أساليبها في السياسة، ودورها في الاقتصاد. تزرع عقولها (عملاءها) في المفاصل الأساسية للدولة. تشكل جماعات ضغط. تنشط في الحقل الإعلامي والثقافي والترفيهي (المؤرخ البريطاني إيريك هابسباوم). كل العملاء والموظفين والمحامين مرجعهم العرّاب الأكبر. العراب يفصل في الخلافات. يعطي الأوامر. يحمي من يحتاج إلى حماية. يتوسط لترقية هذا أو إزاحة ذاك.

ديك تشيني كان العرّاب في عهد الرئيس جورج بوش. زرع المحافظين الجدد في مكتبه، في وزارة الخارجية، في وزارة الدفاع، في القضاء، في الصحف، في مراكز الأبحاث. في ذاك العهد التقى السلوك المافيوي مع سلوك الكاوبوي.

ولأن العرّاب يموت ولا يستقيل نجد تشيني، بعدما حمل عكازه ورحل عن البيت الأبيض، يتصرف مثل حاكم في إفريقيا أو في الشرق الأوسط. أو مثل مارلون براندو في الفيلم المشهور، أو آل باتشينو وروبرت دي نيرو في الجزء الثاني منه.

عاد تشيني، بعد المرشح الجمهوري السابق للرئاسة في الولايات المتحدة جون ماكين، ليشنّ حملة على الرئيس باراك أوباما ومساعيه للحوار مع خصوم أميركا، و «محور الشر». واختياره كريستوفر هيل سفيراً لدى العراق لأنه ليس صاحب خبرة في الشرق الأوسط، على ما قال. ولأنه استطاع أن يتوصل إلى تفاهم مع كوريا الشمالية لوقف نشاطها النووي. ويخشى العرّاب أن يكرر التجربة ذاتها مع إيران. ويؤكد أنه مارس ضغطاً كبيراً على بوش «كي يتبنى نهجاً اكثر تشدداً ضد طهران وبيونغيانغ».

قد لا يكون هيل أفضل من سلفه إيان كروكر في العراق أو جيفري فيلتمان في لبنان. هو في النهاية يمثل سياسة إدارته. لكن العرّاب لا تعجبه هذه السياسة. هو ضد السفير لأنه سيشرف على تصفية إرث بوش (إرثه) في هذا البلد، وفي محيطه أيضاً. ألا تحاول المافيا المحافظة على إرثها، غير عابئة بالتطورات الاجتماعية أو التاريخية أو السياسية؟ أليس هذا ما فعلته المافيا الأميركية في عشرينات القرن الماضي لدى تحول المجتمع الأميركي من الزراعة إلى الصناعة والاستهلاك؟ أليس هذا ما حصل في العراق بعد تفكيك الدولة والمجتمع؟ أليست المطالبة بتخصيص الجيش، وتحويله إلى حارس لسرقات الشركات التي يشرف عليها العرّابون الصغار أشبه بأعمال المافيا؟

أما على المستوى الأميركي الداخلي فلم يقصّر العرّاب في الدفاع عن إرثه. اعتبر كل الإجراءات المخالفة للدستور الأميركي مثل التعذيب في السجون والتنصت على المكالمات والاعتقال من دون محاكمة «ضرورية للغاية لجمع المعلومات التي سمحت لنا بأن نهزم محاولات الهجوم على الولايات المتحدة». هذا هو القانون، قال، «على رغم معارضة المعارضين».

لكن تشيني ما زال عاتباً على بوش لأنه رضخ لحكم محكمة دانت مدير مكتبه لويس ليبي (سكوتر) بالكذب، وكشف معلومات استخبارية سرية. على رغم أنه خفف عقوبته سنتين ونصف السنة. ورفض أن يعفو عنه كلياً، قبل مغادرته البيت الأبيض.

العرّاب مستاء. لم يستطع حماية أحد رجاله. وليس لديه في عزلته من يعزّيه سوى الذكريات والتدخل غير المجدي في شؤون الإدارة. إنه ينتظر ساعة الانتقام التي قد لا تأتي وهو على قيد الحياة.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية

عودة للأعلى