طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 21 ربيع الثاني 1430هـ - 17 أبريل 2009م

عندما ينقلب الشعار على صاحبه

 

مهى عون

من المفترض أنه عندما يتبنى زعيم أو تيار ما، شعاراً انتخابياً رفيعاً وطموحاً، وصولاً إلى الترويج لذاته وكيانيته عبره، من المفترض أن يكون مبدئيا بمستوى هذا الشعار، أو على الأقل أن يكون تاريخه النضالي، وعمله في المجالين السياسي والاجتماعي، ينضح بفحوى وأبعاد هذا الشعار. أما في حال كان هذا الشعار لا يشبهه، وأكبر منه، وفضفاضاً عليه، فهو يحول نفسه على المدى القصير إلى مهزلة، وعلى المدى الأبعد سوف يعمل الشعار ضده، لأنه سوف ُيظهر مدى درك عوراته.

إن الاسترسال في التذاكي في مجال صناعة الشعارات، والانجرار فقط وراء التعابير المنمقة والمفذلكة، وعدم توخي الالتزام بالموضوعية، قد يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج معاكسة، ليس أقلها انقلاب الشعار على مخترعيه، على أساس احتمال اكتشاف الناس لمدى التلفيق الراشح عبره. وهذا الشعور بالبلف والذي لا يرتاح إليه الناخب، ينطبع لا شعورياً في عقله الباطني وذاكرته، وقد يشكل عاملاً مؤثراً وفاعلاًً في عملية خياره الانتخابي لاحقاً.

أما وصفنا لهذا التذاكي في مجال اعتماد الشعارات الانتخابية المزيفة، بالبلف والمراوغة، فهو ليس مستند فقط على تنافره مع الحقيقة، ولكن أيضاً بسبب أهدافه الساعية للفلفة واقع مذري ببرقع لماع وجذاب. وفي ذلك مؤشر لأمرين وهما أولاً الدلالة على تقهقر شعبية حزب أو زعيمه، وثانياً على دنو مرحلة انهياره. وعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن الإشارة إلى أحد هذه الشعارات المرفوعة والذي يقول "لا مستقبل إلا مع التغيير". ومخترع هذا الشعار قد يظن نفسه فائق الذكاء كونه تعمد مزق صفحة زرقاء تذكر بلون تيار المستقبل، لتظهر تحتها ألوان التيار الوطني الحر، حيث من المفترض أن تشرق شمس المستقبل فقط عبر التغيير الموعود من قبل التيار الوطني الحر.

التيار الوطني الحر وزعيمه الجنرال عون ينادون بالتغيير!....ولكن عن أي تغيير يتكلمون؟ هل هو التغيير الذي أحدثوه في مبادئهم وقناعاتهم، عبر اعتناقهم لمبادئ وشعارات سواهم، والتصاقهم بحزب ذو إيديولوجية وثقافة لا تشبههم؟ أم هو التغيير الذي يسعون لإحلاله في جسم الدولة والنظام؟ فهل يرضى اللبنانيون كل اللبنانيون عن أي تغيير يحصل في نظامهم الديمقراطي؟ وعند هذا المواطن وخياره الحر لا بد من التوقف. فهل سأل المواطن نفسه اليوم هذه الأسئلة، وعن نوعية وشكل هذا التغيير المروج له، عندما يقرأ شعاراً مرفوعا يدعو للتغيير بشكل مبهم، ويدعي انسداد الأفق والمستقبل في غيابه؟

نعم اللبنانيون هم جداً منجذبون لشعار التغيير، خاصة في ظل وجود تهديد مستمر، وعدم استقرار، وفي ظل أجواء الخوف والترهيب، وهاجس تجدد الأحداث الأمنية. بل يمكن القول أن شعار التغيير قد يشكل عندهم خشبة الخلاص التي بإمكانها نشلهم من حالة المراوحة والتقهقر الحاصلين . ولكن هل بإمكان التيار الوطني الحر تبني شعار التغيير وإلى أي مدى هذا الشعار يشبهه؟ نعم يشبهه اليوم من الناحية السلبية، أي من ناحية سعي التيار العوني لتحقيق إستراتيجية وأهداف ورقة التفاهم والتي تهدف وإن بشكل غير معلن، إلى نسف النظام اللبناني الحالي. وقد لا نقر ونعترف بأن الديمقراطية قد تحققت بأفضل أوجهها في لبنان، ولكن النظام القائم، وعلى مساوئه وفجواته، يظل أفضل من النظام الشمولي الإيراني، نظام كم الأفواه، وقمع الحريات الخاصة والعامة، نظام التزمت والانغلاق والتقوقع. وهو طبعاً ليس التغيير الذي يريده ويحلم به الناس.

والملفت أن تيار الجنرال عون ما زال مصراً ومنذ الانتخابات الأولى في 2005 على تبني شعار التغيير، أو "حلم التغيير". والملفت أيضاً أن هذا الشعار الذي استقطب به الجنرال الناس في الانتخابات الأولى، بات يرن كالطبل الفارغ في الحملة الحالية. فالتغيير السابق الموعود لم تتحقق منه سوى النواحي السلبية. وشعارات الاستقلال والسيادة، والعلمانية، وفصل الدين عن الدولة، وإقامة الدولة المدنية، والمطالبة بحقوق المرأة، باتت كلها مطالب مغيبة، بل يعمل التيار على تبني نقيضها بالكامل. وإن انتقدتهم في مجال تقصيرهم هذا، وعن عدم تنفيذ وعودهم بالتغيير الايجابي، كانوا يجيبوك بأنهم خارج الحكم وعاجزون بالتالي عن إحداث أي تغيير, ولكنهم ضربوا الخيام وعطلوا البلد والاقتصاد على مدى نيف وسنة، ودخلوا من بعدها إلى السلطة، فما هو التغيير الذي أحدثوه على المستويات السياسية والاجتماعية؟ ويجيبوك هنا أيضاً بأنهم صحيح في السلطة اليوم،ولكنهم مكبلون وعاجزون عن أخذ أي قرار بالتغيير. ولكنهم عندما شاركوا في هذه الحكومة الهجين، البدعة، كانوا يدركون تماماً بأنهم سوف يكونون عاجزين عن إحداث أي تغيير فعلي، فلماذا أصروا على المشاركة إذاً؟ الجواب أن الهدف لم يكن المشاركة والدفع باتجاه التغيير الايجابي، بل كان فقط باتجاه التعطيل والشلل. والمهمة وخريطة الطريق المطلوبة منهم، باتت معروفة ومفهومة، وهي إحداث هذا الشلل وهذا التعطيل، تمهيدا لعملية تمكين القبضة بهدف تكريس الاستتباع للمحور السوري الإيراني. وهي إستراتيجية ذكية من دون شك وتذكر بشريعة الغاب حيث تعمد الكواسر على تسميم وشل قدرات طرائدها قبل الانقضاض عليها.

*خاص بـ"العربية.نت"

عودة للأعلى