عبد الله ناصر الفوزان
مع أني لا أؤيد ذلك التمنع اللافت من القيادة السياسية في الكويت ممثلة في رئيس الوزراء من الاستجابة لمطالب بعض أعضاء مجلس الأمة بالحضور للمجلس ومواجهة الاستجواب.. فإني في الوقت نفسه لا أستطيع مصادرة حق تلك القيادة في إدارة اللعبة السياسية بالشكل الذي يخدم رؤاها طالما أن ذلك يتم وفق الدستور.
من يسمون في الكويت بـ (الإسلاميون) حصلوا في الانتخابات السابقة التي أتت بالمجلس الذي تم حله على 21 من مقاعد البرلمان البالغة 50 في حين لم تحصل المرأة على أي مقعد، وحصل الليبراليون على 7 مقاعد، وحصل الشيعة على 5 مقاعد والبقية حصل عليها ممثلو القبائل، أي إن الإسلاميين كان لهم نصيب الأسد من حصص الكتل السياسية.. وكان في إمكانهم أن يساهموا في إدارة العملية البرلمانية بمسؤولية وحكمة وبأسلوب ذكي متزن يخدم أفكارهم وأهدافهم، ولكنهم فيما يبدو فشلوا في ذلك إذ في أول أيام المجلس وفي الوقت الذي كان العالم كله فيه ومعه الكويت يعاني من أزمة مالية خانقة تشغل الجميع عما عداها.. في ذلك الوقت العصيب بادر بعض هؤلاء بإثارة قضية عادية كان بالإمكان مناقشتها مع المسؤولين المختصين فأشغلوا الكويت كلها بها وطالبوا باستجواب رئيس مجلس الوزراء وأصروا على ذلك مع أنهم يدركون أن مطالبة مماثلة سابقة تم الإصرار عليها أدت لحل المجلس وهم لا يستطيعون أن يمنعوا حله من جديد.
وحصل ما حصل فحل أمير البلاد مجلس الأمة ودعا لانتخابات جديدة مستنداً إلى حقه الذي منحه إياه الدستور، وكان فيما يبدو لي يؤمل أن تفرز الانتخابات الجديدة واقعاً جديداً في مجلس الأمة الجديد.
وقد حصل هذا الواقع الجديد يوم أمس الأحد فالإسلاميون الذين كان لهم 21 مقعداً لم يفوزوا سوى بـ 11 مقعداً، أي إنهم خسروا عشرة مقاعد أعطاها الناخبون لخصومهم.
نعم.. لخصومهم.. فهم كانوا يعارضون وباستماتة شديدة دخول المرأة في البرلمان وقد أعطاها الناخبون أربعة مقاعد.. وكانوا على خصام وخلاف شديد مع الليبراليين وقد أعطى الناخبون الليبراليين مقعداً إضافياً فأصبحت مقاعدهم 8 بدلاً من 7،أما الشيعة الذين هم على غير اتفاق مع (الإسلاميين) كما هو معروف فقد أخذوا 4 مقاعد إضافية من مقاعد الإسلاميين فأصبحت مقاعدهم 9 بدلاً من 5 أما المقعد العاشر من المقاعد التي خسرها الإسلاميون فقد أخذه ممثلو القبائل...ومن الواضح اعتماداً على هذا الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات الكويتية الجديدة من خلال نتائج يوم أمس الأحد أن الناخبين قد ضاقوا ذرعاً بأساليب (الإسلاميين) في البرلمان التي كانت تضخم بعض القضايا غير المهمة على حساب القضايا الأهم وأدت إلى حالات تعطيل كثير من المصالح الوطنية المختلفة.
قد يكون (الإسلاميون) في الكويت على حق في إصرارهم على حضور رئيس الوزراء للبرلمان ليواجه الاستجواب.. ولكن في اللعبة السياسية لا أهمية لذلك طالما أن الطرف الآخر يمارس اللعبة من خلال الدستور إذ الأهمية حينئذ لما تسفر عنه النتائج... والنتائج أسفرت عن خسارة كبرى للإسلاميين لا يمكن قبول أي تبرير لها مهما كان.
من النتائج أن المرأة دخلت المجلس وكانوا يعارضون ذلك... ودخلت بأربعة مقاعد وليس بمقعد واحد.. والليبراليون والشيعة زادت مقاعدهم على حسابهم.. ومن النتائج أيضاً أن الدائرة الثالثة (السنية) المحافظة انتخبت امرأة ليبرالية شيعية... أما النتيجة الأكبر من كل ذلك فإنهم سيجدون أنفسهم مكبلين في البرلمان الجديد.. فقد لا يجرؤون مستقبلا على تقديم استجواب جديد لرئيس مجلس الوزراء مهما كانت وجاهته وقد يترددون في أي ممارسة قد تعطل المجلس أو تحله لأن الناخب (الذي على حق دائماً) قد يتخلى عنهم لو تم حل المجلس مرة أخرى، وقد يجدون أنفسهم أمام فشل آخر أكثر قسوة..
صحيح أن النواب "التأزيميون" كما تسميهم بعض وسائل الإعلام قد عادوا، ولكنهم بالتأكيد سيكونون أضعف من ذي قبل، وأقل قدرة على حشد المؤيدين... والمثل يقول على نفسها جنت براقش.. وهذا ينطبق على (الإسلاميين) في الكويت.. فقد جنوا على أنفسهم بتشددهم الذي لا يستند إلى قوة دستورية يمكن أن تنجح مقاصدهم.
على أربعة شوارع.
أقترح على الإخوة في عكاظ أن يسموا زاوية الزميل خلف الحربي (على أربعة شوارع) بدلاً من (على شارعين) أي (بلك بالتمام والكمال) فهو يكتب مقالات جميلة.. وكعادته قدم لنا يوم أمس مقالاً جميلاً عنوانه (عشرة في المية) أدعو الذين فاتتهم قراءته أن يقرأوه.. وأحيي الأخ خلف وأهنئ الإخوة في عكاظ على كسبهم كاتباً متميزاً مثله.
*نقلاً عن صحيفة "الوطن" السعودية |
