طبـاعة
حفـظ
ارسال
Bookmark and Share
مشاركة
الإثنين 08 جمادى الثانية 1430هـ - 01 يونيو 2009م

السياسة غير الدين

 

عبد الله بن بجاد العتيبي

"الحكم" في باكستان، هل هو لـ"طالبان" في "سوات" أم لباكستان الدولة؟، "الحكم" في الصومال، هل هو للدولة المتعثرة بقيادة شيخ شريف أحمد أم لرفاق السلاح الذين تحوّلوا خصوماً؟، "الحكم" في إيران هل هو للوليّ الفقيه أم لمن ينتخبه الشعب؟ أسئلة مطروحة وملحة في عالم السياسة والدين، والتجاذبات في الواقع والتباينات على مستوى الرؤية والتطبيق بين حكومات وأحزاب وحركات وتيارات، بل وأفراد ذوي توجهات متعددة.

بادئ ذي بدء، يجدر بي الاعتراف أن العبارة المستخدمة كعنوان لهذا المقال (السياسة غير الدين) ليست لي، ولكنّها لزعيم عربي مسلم يعتبر من أبرز القيادات السياسية في القرنين الأخيرين في العالم العربي، وهو يقدّم تفسيراً لهذه العبارة، يتخذ موقفاً ينتمي للتفسيرات الوسيطة بين من يدخلون في نقاش هذه الفكرة من المحللين والمثقفين والساسة ورجال الدين.

الخلاف كبير والشقّة واسعة بين المختلفين حول مسائل الدين والسياسة وعلاقتهما ببعضهما البعض، وهل هي علاقة تماه كما يطرح طرف، أم علاقة تناقض كما يطرح طرف آخر؟، وبين الطرحين ثمة مساحات شاسعة يختار الفرقاء مواقعهم منها، ويطرحون رؤاهم المتباينة كل بحسب قناعته وأسلوبه وطريقته والمنهج الذي يرتضيه.

باختصار إنّ هذه الإشكالية كغيرها من الإشكاليات، لا تجد لها حلا واضحاً بين الأبيض والأسود، أو بين الخير والشر، أو بين الحقّ والباطل، بل هي مسألة تتحكم فيها عدة زوايا للنظر، وعدة معطياتٍ للحكم، منها النصّ والواقع والتجربة والهدف والطموح، ويبقى فهم الإنسان لها فهماً تتحكم فيه قدرته الذهنية على التحليل والتركيب، ورؤيته للواقع والتراث، وهي بعد رؤية يتحكم فيها المخزون الثقافي للإنسان ومقدار الوعي بالحاضر وحجم المسؤولية تجاه المستقبل.

باعتبار الثبات والتغيّر، يرى البعض أن الدين والسياسة ثابتان لا يتغيران في أصولهما على الأقل، ويرى البعض أنهما يتغيران على الدوام، ويطرح البعض الآخر أنّ الدين ثابت بطبيعته، والسياسة متغيرة بطبيعتها، ولذا فلا مجال للقاء بينهما، بينما يرى آخرون أنّ في كلٍ منهما مبادئ ثابتة قليلة ومتغيرات أكثر بكثير، ولذا فإن اللقاء بينهما ممكن تاريخياً وواقعياً، ولكن النقاش ينتقل هنا لمجال آخر.

المجال الآخر الذي ينتقل إليه النقاش، هو أن السياسة والدين قد اجتمعا في تاريخ الأمم مرةً لصالح الدين وأخرى لصالح السياسة، وأن أحدهما قد وظّف الآخر لأهدافه وطموحاته في هذه اللحظة التاريخية أو تلك، وهنا يأتي السؤال: كيف نقرأ اليوم علاقة الدين بالسياسة؟ أو علاقة السياسة بالدين؟ من يوظّف من؟ من يخدم من؟ وما هو المخرج من هذا كلّه؟ وكيف يمكن أن يكون الحلّ؟

لقد وقف الغرب على حلّه الخاصّ وكان خياره إزاحة الدين عن السياسة بشكل شبه كامل وأصبح الدين كغيره من المعطيات الاجتماعية الأخرى يؤثر على الأفراد والمجتمعات، ولكن لا مكان له في رسم السياسات الكبرى تجاه الداخل وتجاه الخارج، وهو خيار مطروح لدى الأمم غير الغربية في العالم، وكل من هذه الدول قد حدّد خياره وطموحه، لا فرق بين اليابان وماليزيا، ولا بين جنوب أفريقيا والصين.

ليس ضرورياً أن تلتقي الأسئلة الحادة - كتلك التي طرحت في أول المقال -بأجوبةٍ مماثلة، غير أن الأهم ضرورةً، هو أن يدور النقاش والحوار حولها، وأن يختلف الفرقاء ويطرح كل ما لديه، ويبقى على المجتمع والدولة أن ينتقيا أفضل الخيارات وأيسر السبل، تلك التي لا تؤذي المجموع، ولا تضر العالم، ولا تجلب الدمار على الجميع.

ثمة مفردات تراثية تعبّر عن جزء من الخلاف في مثل هذه القضية، يقف على رأس قائمتها مسألة "الحكم"، التي طرحت في مستهل المقال، وهي المسألة التي بنى عليها بعض منظّري الحركات الإسلامية من المودودي إلى سيد قطب مسألة "الحاكمية"، وهي مسألة تدلّ –حين تمحيصها- على قصر باع الطارحين لها في العلوم الشرعية التفصيلية، كما تدلّ على أن الإثنين كانا كائنين حركيين سياسيين أكثر بكثيرٍ مما كانا عالمين شرعيين أو فقيهين معتبرين.

من حيث الأصل الديني لموضوع السياسة في العالم الإسلامي، الذي يفترض أن ينطلق من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، سواءً من حيث النصّ القرآني أم من حيث التطبيق النبوي والراشدي على أرض الواقع، فإنهما قد تمّ توجيههما من قبل بعض جماعات الإسلام السياسي المعاصرة كما شاءت لها أهدافها، ولهذه الجماعات نموذج مبكّر في تراثنا، فالتاريخ يحدثنا أن الخوارج الذين كانوا يسمّون بـ"المحكّمة" إنّما سمّوا بذلك، لأنهم أول من أطلق في عالم السياسة في التاريخ الإسلامي عبارة "لا حكم إلاّ لله"، وقد ردّ على هذا الاستخدام الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب بمقولته المشهورة: "كلمة حقٍ أريد بها باطل"!

"الحكم" في التراث الإسلامي كان يطلق على معنى يراد به غير ما يريد به من يطرحونه اليوم كمركز لتفكيرهم وهدف رئيس لحراكهم كجماعات الإسلام السياسي، بل إن "الحكم" في التراث الإسلامي كان يطلق على ما يعرف بـ"آيات الأحكام"، وآيات الأحكام في النصّ القرآني محدودة جداً، وهي لا تتجاوز الستمائة آية بحسب الرازي، وتركّز في أغلبها على أحكام الأسرة والعقوبات، ويمكن في هذا السياق مراجعة كتاب "إسلام الفقهاء" لنادر حمّامي ففيه تحليل جدير بالمطالعة ولا يتسع المقام لسرده.

إذا فالحكم بمعناه السياسي الشامل، لم يرد في النص الديني، بل إن فقهاء المسلمين لم يتعرّضوا له، بل كانوا يستخدمونه إما للتعبير عن الحكم التكليفي أي "الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام"، أو للتعبير عن الحكم بمعناه القضائي أي فضّ النزاعات بين المتخاصمين، لذا فإننا نجد كثيراً من الباحثين في هذا المجال يكادون أن يتفقوا على وجود فقرٍ شديدٍ في الفقه السياسي في التراث الإسلامي.

نعم، لقد كان الفقهاء في تاريخنا يحاولون السيطرة على المجتمع من خلال فرض سلطة على جميع تحركات أفراده وجماعاته، في الطقوس العبادية الرئيسية كالصلاة ونحوها، وغير الرئيسية كـالختان والأحوال الشخصية، وصولا إلى اللباس والزينة ونحوهما، وفي هذه الأخيرة إلغاء للحرية ومساحة المباح التي جاء بها النصّ، ولكنّهم لم يتطرقوا للحكم بمعناه السياسي أو يطرحوا أحقيتهم به، بل اقتصر الأمر على تبرير الأمر الواقع، كما في كتب الأحكام السلطانية وغيرها، الماوردي، الجويني، الفرّاء، ابن تيمية وغيرهم.

التراث الإسلامي حافل بتحذير العلماء من القرب من السياسي، ومشحون باتهامات دينية لكل من يقترب منه بأنه واقع في الفتنة والنفاق وقلة الدين، وفي ذلك مؤلفات عدة وعبارات للعلماء مشهورة، حتى رووا في هذا الشأن حديثاً ضعيفاً يقول: "من أتى السلطان افتتن".

منظرو الإسلام السياسي الحركي اليوم يسعون لممارسة الأمرين -اللذين مرّ ذكرهما- معاً، فمن جهة يحاولون توسيع سلطتهم على الطقوس وعلى تصرفات الأفراد الحياتية العادية، ودلائل ذلك هذا التفشي الهائل لطروحاتهم ورموزهم في وسائل الإعلام والإنترنت وغيرها، وتضخيمهم لدور "الفتوى" في تصرفات المسلم العادية وفي هذا توسيع للحكم بمعناه التكليفي، ثم هم من جهة أخرى يحاولون الحصول على الحكم بمعناه السياسي، من خلال تأكيد أحقيتهم الدينية بذلك، عبر مفاهيم وعباراتٍ كالحاكمية ولا حكم إلا لله والقرآن دستورنا وتطبيق الشريعة ونحوها من الشعارات والمفاهيم، التي يطول شرحها وتحليلها، وهم بعدُ يركبون الصعب والذلول للاستحواذ على السلطة بشتى السبل الديمقراطية منها والعنفيّة والحزبية والسريّة والعلنية وغيرها.

أخيراً فإنّه فضلا عن المفاهيم الحديثة وتبايناتها حول هذه الإشكالية وهو أمر ناتج عن تطوّر العلوم وسيطرة التخصصات الدقيقة عليها، إلا أنّ التراث الإسلامي يقدّم رؤى مختلفة لمثل هذه الإشكالية وهو ما سنتعرض له لاحقاً.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد" الاماراتية

عودة للأعلى