عبد الله بن بجاد العتيبي
قبل عام 1979م بما يقارب ثلاث سنوات كان الشاه، حسب عددٍ من الروايات التاريخية، حائراً في أمره، لم يشعر ببراكين الثورة التي بدأت أدخنتها تعلو سماء بلاده، وحين شعر وأراد المبادرة لم يعرف ماذا يصنع؟ ولا ما هو الحل؟ كما يروي عديدون من شهود تلك الفترة، وكان دائم التساؤل: ما الذي يجب فعله؟ وهو السؤال الذي تكرر كثيراً على لسانه حسبما نقله إحسان نراغي في كتابه الجميل "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة".
اليوم، وفي 2009م، وبعد ثلاثين سنةً على قيام الثورة، يبدو أنّ المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، والقائد العام، و"الوليّ الفقيه" علي خامنئي لم يحظ بعد بفرصةٍ للتأمّل في موقف الشاة آنذاك، وهو -أي المرشد- وإن كان قد خطا خطواتٍ باتجاه بناء الدولة، إلا أن وقود الثورة لم يزل يجري في دمائه ويلهب أحلامه ويشعل مشاعره، فيحجب عن عينيه وعقله مشاهدة التغيّرات التي تجري على أرضه وبين شعبه، فضلاً عمّا يجري في العالم من حوله.
الهوّة تزداد بين الشارع الإيراني والقيادة السياسية، طموحات الشارع تختلف عن طموحات القيادة. الشارع يريد حياةً كريمةً واقتصاداً مزدهراً وحريةً منفتحةً، والقيادة تريد نفوذاً إقليمياً وبرنامجاً نووياً.
حين يتمّ اتهام النظام بتزوير الانتخابات، وتتكرر المخالفات في المراكز الانتخابية ويظهر غضب الشعب العارم في الشوارع، وتعلو هتافات الشارع: "الموت للديكتاتور"، "فليسقط القزم"، "سنبقى هنا سنموت هنا"، وبالمقابل تصف أعلى سلطة في البلاد ممثلةً في المرشد الانتخابات بـ"العيد الحقيقي" و"النجاح الهائل" عندئذٍ يدرك المتابع أن ثمة شيئاً ما يجري لا تعلم به القيادة، أو أنها تعلمه ولا تقيم له وزناً.
إنّ الذي يجري هو أنّ الهوّة تزداد بين الشارع الإيراني والقيادة السياسية، طموحات الشارع تختلف عن طموحات القيادة، حين يريد الشارع حياةً كريمةً واقتصاداً مزدهراً وحريةً منفتحةً، فإن القيادة تريد نفوذاً إقليمياً وبرنامجاً نووياً، والفارق بين الطموحين تعبّر عنه المظاهرات ورمي الحجارة على الشرطة وإحراق المباني الرسمية والاعتقالات السياسية التي بلغت المئة معتقل في صفوف "الإصلاحيين" حسب تصريح لأبطحي، وكلّما أوغلت القيادة في تحقيق أهدافها وإن كان ثمنها الابتعاد عن الشعب الذي شكّل مادة الثورة كلّما منحت هذا الشعب البيئة المطلوبة للسخط والغضب، وحين يبلغ الغضب أقصاه فإن "الثورة المخملية" التي خشي منها الحرس الثوري سينبت لها أنياب، وتظهر لها مخالب وإن بعد حينٍ، وفي حديث التاريخ صدقٌ وفي تجارب البشر عظةٌ.
بعيداً عن المشهد الداخلي، وفي الصورة العامة لإيران، فإنّه يخطئ كثيراً من يحسب أنّ سياسات إيران تتغيّر بتغيّر الرئيس، قد تتغيّر اللغة والأسلوب والطريقة، ولكنّ السياسات العامة خاصةً الخارجية منها لا تتغير لأنها باختصار ليست بيد الرئيس، ولا دور له إلا في طريقة تنفيذها، فخيوط اللعبة السياسية داخلياً وخارجياً بيد شخصٍ غير منتخبٍ ولا تهمّه الانتخابات كثيراً، ذلك هو المرشد الأعلى علي خامنئي، فهو "الولي الفقيه" وسلطته تأتي من الأيديولوجيا الثورية لا من الانتخابات المدنية.
هدفان رئيسان سعت إليهما إيران بكلّ قوةٍ: البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، وقد كسّر نجاد بعنجهيته المعهودة كثيراً من العوائق في طريق الوصول إليهما، وقد اعتبر في مؤتمره الصحافي يوم أمس الأحد أن البرنامج النووي الإيراني أصبح من الماضي، بمعنى أنّه قد أصبح منجزاً لا يقبل النقاش حوله! في إثباتٍ للعالم أنّه سوف يستمرّ في ذات الخط السياسي المتشدد الذي انتهجه وبصلافةٍ في السنوات الأربع المنصرمة من حكمه.
لقد كرّر نجاد في ذات المؤتمر الصحفي أنّ أيّ خلافاتٍ مع دول المنطقة إنّما هي بسبب التدخلات الأجنبية في تلك الدول، أما إيران فلا دخل لها بذلك، وسياساتها ليست عدائية! وتغافل عن أنّ لبّ الخلافات مع دول المنطقة تكمن في أنّ إيران تسعى لبرنامجٍ نوويٍ خطيرٍ على دول المنطقة من حيث إخلاله بتوازنات القوى وخطره البيئي، وتغافل عن احتلاله لأراضٍ عربيةٍ وتجاهل تدخّلات إيران القويّة والعدائية في العراق وسوريا ولبنان، ولم يتطرق لعمليات التشييع السياسي في فلسطين ومصر واليمن وأفريقيا وغيرها، ما يعني بالمختصر أنّنا أمام ازديادٍ في حدّة التوتّر السياسي الذي تسببه إيران في المنطقة، وألا جديد يلوح في الأفق.
ديمقراطية إيران هي ديمقراطية محدودةٌ ونتائجها شبه محسومةٍ سلفاً، فهي ديمقراطية منتقاةٌ بعنايةٍ عبر غربلة المرشّحين وإخضاعهم لتوجّهات المرشد وحصرهم داخل قضبان الثورة لا الدولة بدليل اختيار أربعة مرشحين فقط من أصل أربعمائة ونيّف، هذا من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق والتنفيذ، فإن الطعونات من داخل إيران بالتزوير والمخالفات صوتها عالٍ وحدتها متعاظمة ولم يكن التعبير عنها تصريحاتٍ سياسيةٍ فحسب، بل مظاهرات وحرائق وصداماتٍ وقتلى أيضاً، مع قطعٍ لشبكة الهاتف الجوّال ومطالبةٍ للصحافيين الأجانب بالمغادرة وإغلاق لمكاتب بعض الوسائل الإعلامية كقناة "العربية" وغيرها، ومع كل هذا نجد بعض كتّابنا العرب ولشدة ما أعماهم التعصّب يرون أن ديمقراطية إيران لا يشكك فيها إلا أصحاب الآراء المسبقة، ويزيدون -وياللعجب- بأنهم لم يجدوا لها مثيلاً إلا الانتخابات الرئاسية الأميركية!
أرسل الرئيس الأميركي أوباما رسائل ودٍ متعددةٍ للعالمين العربي والإسلامي، من باكستان إلى المغرب، وكانت إدارته تؤمّل بحراكٍ ما في إيران تجاه الحوار والتواصل، ولكنّ قيادة إيران اختارت السير في ذات المسار وبذات العنجهية بل وبالشخص عينه ممثلاً في محمود أحمدي نجاد، ولئن كان الرئيس أوباما يحمل خطةً شاملةً لتحريك مشاكل المنطقة جملةً، فإن إيران ستكون في قبل هكذا خطةٍ، وسيكون عليه النظر في خياراته بعدما أعلنت القيادة الإيرانية انحيازها القويّ لجهة الصراع والصدام.
في الخلفية الفكرية للتشييع السياسي الذي تقوده إيران يرى ولي نصر في كتابه "صحوة الشيعة" أنّه "إذا كان مدار المذهب السنّي هو الشرع وما (يجب) و(ما لا يجب) فعله في الإسلام، فإن مناط المذهب الشيعي هو الشعائر والعاطفة والدراما. والإفراط الحالي في الذهنية الشرعية الذي نجده عند آيات الله الإيرانيين إنما يعتبر بوجهٍ من الوجوه (تسنيناً) للتشيّع"، وهو ما يؤكّده على نحوٍ بارعٍ المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي في كتابه الرائع "السنّة والإصلاح" بقوله: "المذهب الشيعي ليس فرقةً، وإنّما هو سنّة مضادّة يجعل هو من المذهب السنّي فرقةً"، وهذا تحديداً هو التغيير الكبير الذي شهده المذهب الشيعي بعد قيام الثورة الإسلامية وتطبيقها لنظرية ولاية الفقيه الخمينية، فقد تحوّل المذهب إلى شيء يشابه السنّة من حيث تناول الشأن العام والمزايدة على موضوع من يشكّل المتن ومن يشكّل الهامش في التاريخ الإسلامي وتالياً الواقع المعاصر، ومن هنا يأتي النهم الإيراني في بسط نفوذ إيران عبر قنطرة "التشييع" على الأقل في بعده السياسي، وهو ما تخشاه بحقٍ دول الجوار وبخاصةٍ تلك التي تعتبر قائداً تاريخياً للسنّة.
في المحصّلة، أعادت الانتخابات المشكوك فيها أحمدي نجاد لسدة الحكم، تبعاً لرغبة الولي الفقيه، وسيعيد أحمدي نجاد كل الملفّات الساخنة جذعةً، وبعد أن حسمت القيادة الإيرانية خيارها بالصدام والصراع، سيكون على دول المنطقة أن تتخذ مواقفها وتبني سياساتها مع إيران انطلاقاً من هذا الخيار، والقادم خطرٌ والأيام حبلى.
*نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية |
