عمر كوش
يطرح فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية أسئلة عديدة حول الوجهة التي سيتخذها النظام الإيراني، وأثر هذا الفوز على علاقات وتوجهات إيران الإقليمية والدولية، وطبيعة الدور الذي سيضطلع به هذا النظام في المرحلة المقبلة. لكن السؤال الأبرز سيطول الوضع الداخلي الإيراني، خصوصاً في جانبيه، الاجتماعي والاقتصادي.
واللافت هو أن إعلان فوز نجاد جاء مناقضاً لتوقعات المرشحين الآخرين، واتهم بعضهم السلطة الإيرانية بالترهيب والوعيد والرشوة واستخدام المال العام، وتوزيع الهبات والعطايا على الناخبين الفقراء. وشكك المرشح مير حسين موسوي بنتيجة الانتخابات، واتهم الداخلية الإيرانية بالتزوير وارتكاب المخالفات، فخرج مناصروه للتظاهر في شوارع طهران، وشاهد العالم على شاشات الفضائيات أعمال العنف والقمع ضد المتظاهرين، الأمر الذي يطرح أسئلة عن بدء مرحلة جديدة من تاريخ الجمهورية الإيرانية، ذلك أن الذين أرادوا التغيير في إيران خاب أملهم، بخاصة جيل الشباب المتلهف إلى التغيير، بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات، وبالتالي لن تكون الأوضاع في إيران ما بعد هذه الانتخابات مثلما كانت عليه من قبل، على الرغم من الإعلان الرسمي بفوز محمود أحمدي نجاد، والسبب هو أن الاحتقان الداخلي الذي كان خافتاً، تحوّل إلى صراع علني، وشهدنا خلال الحملة الانتخابية حجم النقد الذي طال مجمل الأوضاع الداخلية والخارجية، وتناول الاقتصاد والإدارة والسياسة الخارجية، ووصل إلى قوانين تنظيم الشأن الداخلي والحريات، وحدود الرقابة على السلوك الشخصي والملبس وسوى ذلك.
وقد خرجت الحملة الانتخابية الرئاسية، هذه المرة، عن المعتاد والسائد خلال ثلاثين سنة من عمر الجمهورية الإيرانية، وعرفت خطاباً سياسياً حاداً بين المتنافسين الأربعة، حيث تعرض الرئيس أحمدي نجاد لانتقادات غير مسبوقة، ولم توجه إلى رئيس إيراني من قبل، ووجهها أشخاص لهم وزنهم ووجاهتهم في النظام الإيراني، أبرزهم هاشمي رفسنجاني الذي يعتبر من مهندسي النظام الإسلامي في إيران، والذي يدور حوله كلام عن نيته الاستقالة من منصبه بعد إعلان فوز نجاد.
والملاحظ هو أن الشارع الإيراني، وبالتحديد الوسط الشاب منه، خاب أمله لمرّة جديدة من إمكانية الانفتاح على العالم، وتغيير قواعد النظام، ودفعت مشاركته الواسعة في الحملة الانتخابية المراقبين إلى التحدث عن «ثورة» جديدة، وعن «تسونامي أخضر»، الأمر الذي استدعى تحذير مؤسسات النظام الإيراني من حدوث «ثورة مخملية»، وتدخلت مرجعيات ومؤسسات النظام في سير العملية الانتخابية بمن فيهم المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية السيد علي خامنئي.
والواقع هو أن إيران دخلت مرحلة من الصراع بين وجهتين متعارضتين وخطابين مختلفين، حيث يقود خطاب الوجهة الأولى نحو المزيد من التشدد حول يافطة الثورة الإسلامية، ونظرية ولاية الفقيه و«المرشد الأعلى»، الذي يضع نفسه فوق الجميع.. فيما تريد الوجهة الأخرى أن تحتكم إلى رأي الشعب دونما إكراه، وإلى مزيد من الحريات، تماشياً مع الرغبة في الانفتاح والتغيير، وهي تعترض على المسعى المفضي إلى تركيز السلطة في يد المرشد الأعلى من دون مساءلة أو رقابة، والأمور مرشحة نحو مزيد من التفاقم والتعقيد.
بصرف النظر عن الصراعات والاعتراضات والشكوك، فإن الرئيس محمود أحمدي نجاد سيتولى الرئاسة الإيرانية لمدة أربع سنوات مقبلة، وذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية حصوله على ما يقارب 63 في المائة من أصوات الناخبين الإيرانيين. وفي كل الأحوال، يبدو أن المؤسسة الرسمية الإيرانية قد حددت وجهتها في المرحلة المقبلة، في ظل المعطيات الدولية والإقليمية، لكون المرجح هو أن تتعامل القيادة السياسية الإيرانية بحكمة وعقلانية وهدوء مع المتغيرات الحاصلة، داخلياً وإقليمياً ودوليا.. والمطلوب هو أن يغير أحمدي نجاد خطابه في ولايته الثانية، بما يتناسب وتلك المتغيرات، وأن لا ترتفع حدته بالاستناد إلى تجديد الثقة فيه، لأن ذلك سيأخذ إيران نحو مزيد من العزلة وربما الحصار.
* نقلاً عن صحيفة "أوان" الكويتية
