عبد الله بن بجاد العتيبي
لماذا تمّ تزوير الانتخابات في إيران؟ ما الذي كان يطمح إليه المزوّرون؟ ما هو السياق الداخلي والإقليمي والدولي الذي تمّ فيه هذا التلاعب الصريح بنتائج انتخاباتٍ اعتبرها الجميع تاريخية من حيث نسب المشاركة؟ أسئلة متوقّدة وملحة يزيد الواقع المتفجّر في إيران نارها وقوداً وجمرتها اشتعالا.
في سبيل تلمّس شيء من الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه، فإننا نجد أنفسنا في مشهد للثورة الإسلامية في إيران قريب بشكل أو بآخر من ما كان يسمّى في الصين الشيوعية بعد ثورتها بسنوات وتحديدا عام 1966 بـ"الثورة الثقافية".
"الثورة الثقافية" في الصين كما هو معلوم، هي ثورة أخرى داخل الثورة قادها قائد الثورة "ماو تسي تونج" بنفسه، واستهدفت كل رموز الثورة والصفوف الأولى والمتوسطة منها، وقد سلّط عليهم من خلالها أشدّ أنواع التخوين والتعذيب والسجن والإقصاء والمذابح، وكان يهدف من ورائها كما كان يزعم إلى تنقية الثورة وتخليصها من الشوائب، ولكن الذي حدث حقاً هو أنّه جازى أعمدة الثورة والمخلصين لها بأسوأ الجزاء، وكان ذلك حينما أراد أن يستفرد بحكم البلاد وتوجيهها كما يحلو له بعيدا عن المؤسسات الشكليّة التي أنشأتها الثورة، والتي كان دورها مظهريا أكثر مما كان واقعياً، وبعيداً عن مراكز القوى التي شاركته في بناء الثورة.
إنّ غواية الفرد الكامل القادر على كل شيء قد أغرت "ماو" كثيراً فذهب في شطحاته بعيداً عن واقعه وواقع شعبه.
يونج تشانج في روايتها الرائعة "بجعات برية" تحكي عن خيبة أبويها اللذين كانا شيوعيين ثوريين بجدارة بعد الثورة الثقافية: "بدا أنّ الثورة لم تأت بحلٍ لمشاكلهما، بل إنّها سبّبت مشاكل جديدةً، وللمرة الأولى، شعرت بشكلٍ مبهمٍ أن الثورة إذ صنعها بشر فهي مثقلة بمثالبهم".
ما أشبه إيران خامنئي اليوم بصين ماو بالأمس، يبدو أن خامنئي يسير دون أن يشعر على خطى "ماو"، كما يبدو أنّه يريد أن يصنع ما هو قريبٌ مما صنعه ماو تسي تونج، وأن يقوم بثورةٍ تصحيحية يقصي فيها أطراف الجيوب الشعبية والنخبوية الخارجة عن إرادته، أو تلك التي تقرّ له بالمرجعية ولكنّها تحتفظ لنفسها برؤية مختلفةٍ للأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية كما تكتنز في الآن ذاته ميراثاً ثورياً لا يقلّ عن ميراث خامنئي نفسه، وهذا ما لا يقبله بحالٍ الولي الفقيه الذي لا يكتفي بالسلطة السياسية المطلقة وإن عبر مؤسسات شكليةٍ، بل ويحتفظ معها بسلطة دينية مطلقة أيضا باعتباره نائبا عن الإمام المعصوم المنتظر، تلك الخرافة التي سكنت قلب أحمدي نجاد وعقله، فصار يهرف بها في كل مناسبةٍ محليةٍ أو دوليةٍ، وقد وجد فيه المرشد الأعلى ضالّته، فهو مؤمن عميق الإيمان بالمهدي المنتظر والخرافات التابعة له.
بعد ردود الفعل القويّة من قبل الشارع، وتحدّي موسوي علانيةً لخامنئي لنا أن نتساءل هنا: هل نحن أمام ثورة جديدة في إيران؟ ثورة حقيقية هذه المرة لا ثورةً دينيةً فحسب؟، وذلك أنّ كلمة (ثورة) لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها "الحرية" كما يعبّر المفكر الفرنسي كوندورسيه، وهل إيران تعيش مواجهة لما أسمته حنة أرندت بـ"المفهوم الحديث للثورة"، "المرتبط ارتباطاً لا انفصام له بالفكرة التي تقول بأن مسار التاريخ بدأ من جديدٍ فجأة، وبأن قصة جديدة تماما، قصة لم ترو سابقا ولم تعرف قط هي على وشك أن تظهر"؟ يبدو أنّ في الأفق شيئا من هذا القبيل، فبرغم التركيز الكبير على مسألة تزوير الانتخابات، إلا أنّ سعة المظاهرات وكثرة المشاركين فيها، وتحدّيهم للنظام، ومواجهتهم للقوة الأمنية والعسكرية بصدور مفتوحة، كل هذا يوحي أنّ ثمة غضباً يمور في الصدور، وأنّ كيل الإيرانيين قد طفح، وصبرهم قد نفد على نظام يدعي التصرّف باسم الله والعقيدة والمذهب، لا باسم الإنسان والسياسة والواقع.
إنّ العامل الاقتصادي عامل ذو تأثير كبير في تاريخ الثورات وتاريخ إيران بشكل محدد، فأثره في الثورة الإسلامية ضدّ الشاة لا ينكر وبخاصة قوة التحالف التي نشأت إبّان الثورة بين "تجار البازار" وبين "رجال الدين الشيعة" وأثر هذا التحالف في قيام الثورة ونجاحها، وكذلك وللتذكير أثره في الثورة الدستورية في تاريخ إيران تلك التي قامت في بداية القرن 1906، ذلك الذي جاء في كتاب د.آمال السبكي (تاريخ إيران السياسي بين ثورتين)، وقالت فيه: "إن العامل الاقتصادي شكّل الدافع الاجتماعي الأساسي للقيام بالثورة الدستورية". وما صنعه الرئيس المعاد انتخابه "تزويراً" كما تقول المعارضة، ما صنعه هو أنّه صرف موارد إيران إلى برنامجٍ نوويٍ مكلفٍ وصرف أكثر على تمديد نفوذ إيران في المنطقة، فمن العراق إلى لبنان ومن فلسطين إلى اليمن صرفت الجمهورية الإسلامية في عهد نجاد مليارات الدولارات لكسب الولاءات وتنظيم الجماعات وتدريب العناصر وغيرها، فازداد نفوذ إيران عمّا كان عليه من قبل دون شك، ولكنّ هذا كلّه تمّ على حساب المواطن الإيراني العادي، رجل الشارع البسيط، ذلك الشارع الذي يصر المرشد الأعلى أنّه لن يرضخ له!
إنّ هيبة الدولة الإسلامية في إيران على المحكّ، فهيبة الدولة منجز كبير في أي بلدٍ، وتجاوز الأزمات عبر المهارة السياسية في التعامل معها يزيد الهيبة، ولكنّ هذه الهيبة لا ينقص منها شيء مثلما ينقص منها تحويل السلطة لها إلى خوف، فالخوف المجرّد سهل التجاوز والكسر بعكس الهيبة، وهذا تحديداً ما تخطئ فيه القيادة السياسية في دولة الملالي ذات الدعم الإلهي. فاستخدام الحرس الثوري وقوّات الباسيج لقمع الشعب والشارع يذهب من هيبة الدولة ما لا يمكن أن يعود إليها بعد ذلك.
المرشد الأعلى يسعى عبر هذه الانتخابات إلى كسر كل مراكز القوى في البلاد والتفرّد بحكمها دون شريكٍ أو منازعٍ، ومنح أحمدي نجاد هراوته التي كان يحتاجها منذ زمنٍ ليس بالقصير، ولذا فهو لا يخفي دعمه له قبل الانتخابات وبعدها، ومراكز القوى الأخرى داخل النظام كهاشمي رفسنجاني وخاتمي وموسوي لا تريد أن تسلّم البلاد للمرشد على طبقٍ من ذهب، وحين يحتمي المرشد بالنظام وقوّته العسكرية، يحتمون هم بالشارع والشعب والمظاهرات المستمرة بزخمٍ متزايدٍ منذ إعلان نتائج الانتخابات، يبدو أنّ المرشد الأعلى ماضٍ في مشروعه وهدفه، ويبدو أنّ المعارضين وعلى رأسهم موسوي ماضون كذلك في مشروعهم ويبدو الصدام وشيكاً، وكل طرفٍ يحمّل الآخر تبعة العواقب ويحذّره منها، وسيتحدد مستقبل إيران ونظامها بناء على النتائج التي سينتهي إليها صراع الإرادات داخل النظام الإيراني وقدرة الشعب على التعبير عن رأيه وتحمّل التبعات.
*نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية
|
