أمين محمد أمين
على مدى أكثر من 60 عاماً استنزفت قضية العرب الأولى 3 أجيال متلاحقة من دماء وجهد وأموال أبناء الأمة العربية من المحيط للخليج وللأسف لم تحل بعد بل على العكس، أمامها سنوات لتصل الى الحل المنقوص بإقامة الدولة الفلسطينية المنتظرة على ما تبقى من أراض دولة فلسطين المحتلة..
وما بين السلام الاقتصادي والسلام الإقليمي والدولة الفلسطينية المحاصرة وغير المتكاملة السيادة والقدس عاصمة موحدة لإسرائيل وعدم وقف بناء المستعمرات الإسرائيلية تحت دعوى النمو الطبيعي.. الخ، ما بين هذه المعوقات التي وضعتها وتبنتها القيادة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة وعلى رأسها شرط الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل دولة يهودية ديمقراطية قبيل بدء المفاوضات وهو ما دعا الفلسطينيين والعرب الى اشتراط وقف إسرائيل التام لبناء المستوطنات، كشرط أساسي لاستئناف المفاوضات.
هذه المراوغات الإسرائيلية للهروب من استحقاقات السلام والضغوط الأمريكية للرئيس الشاب أوباما، وتأييد الرئيس الروسي ميدفيديف، بالدعوة لمؤتمر دولي للسلام يعقد بموسكو، الى جانب الجهود الأوروبية والأمم المتحدة كل هذه الجهود بكل أسف تقف أمامها إسرائيل حجر عثرة، بمحاولتها تحويل دفعة السلام العربي الإسرائيلي الى تحقيق السلام الإقليمي أولاً وهو ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلي باراك في زيارته الأخيرة للقاهرة بدعوة دول الاعتدال العربي (وهي تسمية خاطئة لشق الصف العربي) دعوتها للانضمام لإسرائيل لمكافحة ومقاومة البرنامج النووي الإيراني.. وهو ما تم رفضه عربياً وإسلامياً انطلاقا من أن إيران دولة جارة مسلمة.. وفي نفس الوقت التأكيد على أن أخطار البرنامج النووي الإسرائيلي الذي يمتلك مئات القنابل الذرية المدمرة منذ سنوات، أخطر على المنطقة بكثير من البرنامج النووي الإيراني، الذي لا يزال في مرحلة الإعداد، وليس الإنتاج النووي المدمر مثل إسرائيل.
هذه المواقف تدفعنا جميعاً الى سرعة التحرك والتمسك بآخر أمل في السلام، لتحقيقه خلال الأشهر الستة القليلة المتبقية من نهاية العام الميلادي الحالي، الذي حدده وزراء الخارجية العرب موعداً نهائياً لطرح مبادرة السلام العربية على مائدة التفاوض، ولا ندري ماذا سيكون البديل ولكن لكل حادث حديثا.
هذا الطرح الممتد بالمنطقة منذ عام 1945 الى الآن يدفعنا جميعاً بعد طول انتظار للإسراع بحسمه للتفرغ لما هو قادم وأخطر منه، وهو الصراع القادم بالعالم، وبالتحديد بمنطقة الشرق الأوسط حول المياه والتي دعت الى إطلاق التحذيرات المتلاحقة من قيام حروب مستقبلية في المنطقة بين شعوبها ودول الجوار والمصب من أجل المياه.
الواقع يشير الى أن أغلب دولنا العربية تطل على البحرين الأبيض والأحمر والخليج العربي والمحيط، والأهم هو وجود عدد من الأنهار تروي أراضيها، ومنها دجلة والفرات في الشام والعراق، والليطاني في لبنان ونهر الأردن وبحيرة طبرية، التي استطاعت إسرائيل في غفلة عربية من الزمن أن تحول كميات كبيرة من مياهها لصالحها، وأقامت عليها العديد من المشروعات الزراعية والسمكية بينما نحن كعرب بكل أسف لم نحسن بعد الاستغلال الأمثل لما تبقي لنا من مياه الأنهار، وفي مقدمتها نهر النيل شريان الحياة الممتد من دول المصب الإفريقية ليمر عبر دول المصب للسودان ثم لمصر، لتصل مياهه الى البحر المتوسط من خلال فرعي النيل (دمياط ورشيد).. وعلي مدى التاريخ ظلت مصر (هبة النيل) وأن دلتا مصر تكونت من طمي مياه الفيضان التي حصرها السد العالي الذي هوجم كثيراً.
ولكن التاريخ أثبت أنه حمى مصر من فيضانات كثيرة، وحقق لها وفرة كبيرة في الكهرباء والأهم إيجاد احتياطي مائي لمصر من خلال بحيرة السد العالي التي توازن احتياجات مصر التي تحصل عليها سنوياً من مياه النيل 55 مليار متر مكعب سنوياً، والتي أصبحت لا تكفي المتطلبات المائية لمواجهة الزيادة السكانية المطردة لسكان مصر، واقترابهم من تعداد الـ75 مليون نسمة وحصة مصر من مياه النيل لم تغير بل على العكس تسعى دول المصب بالتحريض الإسرائيلي لإقامة عدد من مشاريع السدود لحجب نسبة كبيرة من مياه النيل عن مصر والسودان، وتقليل حصتهما المتفق عليها دولياً لحرمان مصر من شريان الحياة وهو ما دعا مصر للإعلان أن قضية مياه النيل أمن قومي لا يمكن المساس بها وهو ما سبق أن أعلنته رداً على هجوم وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف ليبرمان بدعوته السابقة للقصف الإسرائيلي للسد العالي وإغراق مصر بمياه النيل!!.
هذه المشاغبات حول شريان الحياة لم تسلم منها مصر، ولكن مشكلة المياه متعددة من الخلافات، ومحاولات السطو عليها والصراعات بين دول الجوار، والممتدة الى صراعات الأقاليم وأوضح مثل هذا الصراع دائر منذ سنوات بإقليم دارفور في السودان بين الرعاة والزراع حول المياه والذي تحول من صراع محلي يحدث في العديد من المناطق الريفية الى صراع إقليمي ودولي راح ضحيته الآلاف من القتلى والجرحى المهجرين، وأنفقت المليارات على السلاح المستخدم والحروب الممتدة منذ سنوات، والتي كان من السهل إنفاقها لحفر العديد من آبار المياه الجوفية، لتوفير المياه للزراع والرعاة، وحل المشكلة من جذورها ولكن صراعات المصالح أصبحت أهم وأبقى من توفير أسس الحياة الآمنة للشعوب.
أمام تعدد الأخطار والصراعات القادمة في المنطقة للبحث عن نقطة مياه، والتي تشير كل التوقعات الى أن سعر برميل المياه إذا لم نحسن توفيره سيكون في المستقبل أغلى من برميل النفط.
نحمد الله أن مسيرة العمل العربي المشترك منذ انطلاقها بأول قمة عربية عقدت بسبع دول مؤسسة في أنشاص بمصر عام 1947 غيرت اتجاهها واهتمامها من السياسة للاهتمام بقضايا العمل العربي المشترك، ومواجهة الأخطار القادمة في المياه وندرتها والبيئة والمناخ والأمراض الجديدة والطاقة المتجددة.. الخ، ورغم الانشغال العربي بقضية السلام والقضايا السياسية الـ32 المدرجة بصفة دائمة على جدول أعمال اجتماعات وزراء الخارجية العرب، إلا أن القاعدة السياسية تم تعديلها بعد قمة الكويت الاقتصادية، لتعقد في الأسبوع الماضي بعاصمة المليون شهيد الجزائر اجتماعات الدورة الأولي للمجلس الوزاري العربي للمياه والذي وضع شعاره (بأن وقت المياه السهلة قد ولى) نتيجة الأزمات المتوقعة حول المياه وهو ما يستلزم سرعة تحقيق الأمن المائي العربي وذلك من خلال استراتيجية عربية شاملة لمواجهة العجز المائي العربي وتحقيق الإدارة السليمة للموارد المائية المتاحة بما يكفل تحقيق تنمية مائية مستدامة في العالم العربي، وذلك حتى عام 2025 الى جانب وضع الضوابط لحماية الحقوق المائية العربية في المياه المشتركة وهي متعددة مع دول الجوار غير العربية.
وبالطبع فإن تنظيم أسس هذه الاستراتيجية المائية بحاجة أساسية لتوفير نظام معلوماتي مائي عربي دقيق متكامل وهو غير متوافر حالياً وبحاجة الى جهد كبير وأموال أيضاً.
وفي نفس الوقت لابد من تطوير أساليب البحث العلمي، ونقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة لتحلية المياه وتوليد مصادر الطاقة منها، وتعدد مصادرها من مياه ورياح وطاقة شمسية غير مستغلة في عالمنا العربي وهي للأسف متوافرة ولكن لم يحسن استغلالها والعديد من الدول ساعدتها على خفض احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، باستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل سخانات مياه المنازل والمصانع وإنارتها وتشغيل الآبار وإنارة القرى بالطاقة الشمسية، ولكن في عالمنا العربي بكل أسف لا نحسن استغلال ما نملك ونبحث دائماً عن مضاعفة الطاقة من المتوافر وبالطبع تكاليفها أكبر بكثير.
هذه الأزمة القادمة طرحت أفكارا سابقة لاستيراد المياه من خلال استيراد جبال ثلجية من استراليا وإذابتها والاستفادة من مياهها المذابة في بعض دول الخليج كما طرحت من قبل فكرة تكثيف السحاب من أجل الزراعة بالأمطار الصناعية، وجميعها أفكار جيدة ولكنها مكلفة وغير عملية لواقعنا العربي، وأوضح مثل أمامنا هو عدم استغلالنا لقدراتنا المالية في بناء محطات للطاقة النووية السلمية من أجل تحلية مياه البحار بأسعار منخفضة عن استخدام الكهرباء والغاز والبترول في محطات التحلية الحالية، وهذا بالطبع لابد أن يكون مشروعا عربيا متكاملا خاصة بين دول الجوار العربي المتشاطئة والأهم هو إيجاد أجيال عربية قادرة بالتعامل وإدارة المحطات النووية السلمية لتوليد الطاقة وتحلية المياه والعلاج في المرحلة الأولى.
المهم أن استراتيجية تحقيق الأمن المائي العربي لا يجب أن تقف على مياه الأنهار والبحار، بل تمتد الى الاستغلال الأمثل لخزانات المياه الجوفية والأهم كيفية مواجهة ظاهرة التغيرات المناخية وتأثيراتها بالبخر على الموارد المائية، وعلى سبيل المثال لابد من البحث عن طريقة عملية لتغطية مياه الترع والمصارف للحد من البخر وفقدان الكثير من المياه باتباع نظم الري المغطى بالمواسير واستخدام التكنولوجيا الحديثة في الري بعيداً عن الطرق القديمة للري وعدم التوسع في زراعة المحاصيل التي تحتاج لكميات كبيرة من المياه وفي مقدمتها الأرز وهذا يتطلب قيام العلماء باستنباط أصناف جديدة من الأرز والمحاصيل التي لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه وتزرع على مياه البحار المالحة وقد سبقنا لذلك مراكز الأبحاث في العديد من الدول علينا الاستفادة من تجاربها وتطبيقها في عالمنا العربي.. وهذا يتطلب أولاً إيجاد الوعي المائي لدى المواطنين، لترشيد استخدام المياه وأتذكر الحملة التي بدأت في مصر منذ ربع قرن للحد من استنزاف مياه الشرب، بفتح الحنفيات باستمرار وعدم إصلاحها وإهدارها بلا وعي وانطلقت الحملة بإسم (ست سنية سايبة المية في الحنفية) ونجحت الحملة في توعية ربة البيت بأهمية المحافظة على المياه، ولكنها بكل أسف توقفت وعاد نزيف المياه في كل بيت عربي، دون وعي وإدراك للمخاطر القادمة والتي تدعونا كبارا وصغارا للمحافظة على نقطة المياه شريان الحياة في الحاضر والمستقبل وما بين احتياجنا الى توفير المياه في المناطق الجافة والأراضي القاحلة، ونحمد الله أن لدينا مراكز عربية لتنمية هذه الأراضي كالعادة بكل أسف لم تستغل أبحاثها في مجال التطبيق، وما نزال نعيش على مساحة لا تتعدى 10% من مساحة الأراضي المتاحة في عالمنا العربي و90% منها ما يزال مهجوراً بحاجة الى وصول المياه لاستزراعه وتعميره.
المهم أن المجلس الوزاري المائي قرر في ختام اجتماعاته بالجزائر تنفيذ مشروع الإدارة المتكاملة للموارد المائية، لتحقيق التنمية المستدامة في العالم العربي، ومدة تنفيذها خمس سنوات ولكنها بحاجة الى 10 ملايين دولار أمريكي.
نرجو من الله أن تسارع الدول الأعضاء العربية الـ 22 بسداد حصصها في هذه الموازنة، حتى لا يكون مصيرها مثل استراتيجية تحقيق الأمن الغذائي العربي التي طرحها الدكتور أحمد جويلي أمين مجلس الوحدة الاقتصادية العربية على قمة الأردن الأولى الاقتصادية والتي كانت تستلزم توفير 20 مليار دولار على مدى 10 سنوات، لتحقيق الأمن الغذائي العربي من جميع المحاصيل الأساسية والسكرية ولكن تمر السنين واحتياجاتنا الغذائية واستيرادنا السنوي من الخارج، يفوق المليارات العشرة المطلوبة، نتيجة عدم التزام الدول العربية الأعضاء بتسديد حصصها، لتحقيق أمنها الغذائي ونرجو من الله أن لا يلقي الأمن المائي مصير الأمن الغذائي من أجل أن لا ندخل في صراعات وحروب جديدة يجعلنا جميعاً نعيش في صراع أجيال تلي أجيال من قضايانا السياسية الى البحث عن الأمن الغذائي والمائي و صراعات اخرى قادمة، تتطلب أولاً وأخيراً توفير رغيف الخبز ونقطة المياه الصالحة للشرب لشعوبنا.. فهل نتحرك؟.
* نقلا عن صحيفة "عمان اليوم" |
