عبدالله الشايجي
مرة أخرى تنتهي مواجهة استجواب وزير في الحكومة الكويتية من دون أن ينجح المجلس في استجواباته الخمسة والأربعين، وتقديم طرح الثقة في ثلث هؤلاء الوزراء، أي في 15 وزيراً مستجوبا طلب المجلس حجب الثقة عنهم. لأن الأدوات الأخرى عادة ما تكون جاهزة وموجودة لأن تُفعّل، إما عن طريق عدم الوصول لطرح الثقة، أو تحرك الحكومة، وتجنيد وتوظيف قدراتها بالترغيب والترهيب لتعويم وإنقاذ الوزير المستجوب، بعدم تمكين المستجوبين من الوصول إلى العدد المطلوب، وهو 25 نائباً، حيث يمنع الدستور مشاركة الوزراء في التصويت على طرح الثقة بزميلهم المستجوب.
أما إذا فشلت تلك الخطط والمساعي، فهناك استخدام تكتيك ومناورات سياسية معروفة مثل: تدوير الوزير، أو استقالته، أو إقالته إذا أصر على المواجهة. والسابقة كانت مع وزير الأوقاف السابق د.عبدالله المعتوق. وهناك أدوات أكثر درامية وتصعيداً ومواجهة بأثمان وتكاليف كبيرة مثل استقالة الحكومة، أو حل مجلس الأمة. هذه السيناريوهات تم استخدامها وتطبيقها خلال العقود الخمسة الماضية، مع ملاحظة ازدياد مضطرد في استخدام الاستجوابات، والتي وصلت لتطول رئيس الوزراء نفسه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ما زاد من مؤشر التوتر والتأزيم بين السلطتين، والذي تمخض عنه استقالة أربع حكومات (أصبحت مدد الحكومات أشهراً وأياماً) وتم حل ثلاثة مجالس أمة متعاقبة في سابقة في الحياة البرلمانية الكويتية خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
أسرع استجواب قُُدم في تاريخ مجلس الأمة الكويتي كان الاستجواب الذي قدمه النائب مسلم البراك، عضو التجمع الشعبي، والنائب في ست مجالس أمة متعاقبة منذ العام 1996 ضد وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد بعد انقضاء الأسبوع الأول من دور انعقاد مجلس الأمة الثالث عشر الحالي، بمحاور ثلاثة وأبرزها المحور الأول في التجاوز على المال العام والتنفيع المادي بعقد تجاوز 5 ملايين دينار لإعلانات للمرشحين في انتخابات مجلس الأمة السابق من دون أن يمر بالإجراءات القانونية حسب ما ذكر تقرير ديوان المحاسبة، والذي تمت إحالته للنيابة.
ويُحسب للوزير وللحكومة مواجهة الاستجواب، وطرح الثقة دون استقالة الوزير. وهو الوزير الأول من الأسرة الحاكمة الذي يُصر على خوض امتحان حجب الثقة، ويجتاز الامتحان بنسبة 60 في المئة من الأعضاء المنتخبين من المجلس.
أصبح الأمر في الديمقراطية الكويتية عاديا. بات وزراء الأسرة يستجوبون، بمن فيهم رئيس الوزراء نفسه، حيث يُنظر إلى ممارستنا لطقوس الديمقراطية الكويتية بتعجب في محيطنا القريب والبعيد لجرأتها وقوة عودها.
استجواب وزير الداخلية الذي تجرأ مع الحكومة في خوض غمار الاستجواب، وامتحان طرح الثقة في أجواء مشحونة وغير صحية من اصطفافات قبلية وحضرية ومناطقية تضرب في النسيج الاجتماعي للمجتمع الكويتي الصغير وتجزؤ الكويت إلى مناطق داخلية وخارجية وحضر وقبائل. وهذه ظاهرة خطيرة يجب التنبيه والتحذير من تداعياتها، بخاصة بعد تصريحات بعض النواب حول مواقف وتصويت مع أو ضد الوزير من نواب قبائل ومناطق مختلفة. وطعن بمواقف نواب واتهامهم «بالبصامين» واتهامهم بعدم الدفاع عن المال العام الذي ارتكز الاستجواب عليه.
العقاب سيكون بيد الناخبين الذين أوصلوا هؤلاء النواب والمطالبين، ليس بمعاتبتهم، ولكن بالتصويت لغيرهم، إذا ما كانوا بالفعل في رأي هؤلاء الناخبين لم يبروا بقسمهم، ويصوتوا دفاعاً عن المال العام، ويعاقبوا بسحب الثقة من الوزير المتجاوز.
ثلاث ظواهر مهمة ينبغي التوقف عندها: أولاً انتقال المعارضة إلى نواب المناطق الخارجية بعدما كانت في بداية الحياة البرلمانية بقيادة الشخصيات والقوى الليبرالية والتقدمية، ثم في مرحلة لاحقة بقيادة الإسلاميين الذين استمر بعضهم في صفوف المعارضة إلى اليوم، وبخاصة كتلة التنمية والإصلاح الجديدة. ويُلاحظ أن بعض هؤلاء النواب في صفوف المعارضة، هم نتاج الانتخابات الفرعية المُجرمّة قانوناً. وقد رفع مجلس الأمة الحصانة عن ثمانية نواب في جلسته الأخيرة قبل العطلة الصيفية من النواب الثمانية، خمسة منهم صوتوا مع حجب الثقة والآخرون تحدثوا مؤيدين في جلسة الاستجواب، وفي جلسة طرح الثقة مؤيدين حجب الثقة عن الوزير.
ثانياً تراجع حضور ودور الكتل السياسية بمختلف أطيافها، سواء في الانتخابات الأخيرة، أم في التزام النواب المنتمين لتلك الكتل بالتصويت، بناء على موقف المكتب السياسي للكتل. فالتجمع السلفي حسب تسريبات صحافية، صوت مكتبه السياسي بالأغلبية بحجب الثقة عن الوزير، وصوت نائبهم الوحيد مع منح الوزير الثقة مخالفاً بذلك موقف الكتلة. والتحالف الديمقراطي أصدر بياناً يطالب بحجب الثقة عن الوزير، ولم يلتزم أعضاؤه والنواب المقربين منه بموقف التحالف، وصوتوا مع منح الوزير الثقة مع امتناع نائبة التحالف عن التصويت، ما يعني أن الكتل السياسية في الكويت لا تزال هُلامية ومفككة وضعيفة ومخترقة.
ثالثاً أثبت التحرك والتكتيك الحكومي نجاحه وقدرته على لم الصفوف واختراق الكتل السياسية وتحقيق الحكومة لأهدافها، وها هي منتشية بالنصر بتجديد الثقة بوزير الداخلية، وهذا من حق الحكومة، لأن السياسة هي فن الممكن، وفن إدارة الأزمات وتحقيق الأهداف.
ولكن هذا يُرتب على الحكومة أعباء وأثمانا في المستقبل تتعلق بتقديم خططها ومشاريع تنموية من دون أن تتعذر بالتالي بأن المجلس يقف لها بالمرصاد، ويحبط خططها، ويعطل التنمية. وهذا ما لمح إليه النائب عبدالرحمن العنجري، أمين عام التحالف الديمقراطي السابق، والذي صوت مع منح الثقة لوزير الداخلية بقوله «الأغلبية التي وقفت مع الوزير اليوم يجب أن تكون حافزاً للحكومة للعمل وتقديم البرامج والمشروعات التنموية. نحن نعتقد بأنه لا عذر بعد اليوم للحكومة، ولا حجة لها في التقاعس عن تقديم المشاريع التي تعزز التنمية وتخدم المصالح الوطنية».
بعد خمسة عقود من الممارسة الديمقراطية والبرلمانية في الكويت، وعلى الرغم من العثرات والاحتقان والخلافات بين السلطتين، فإن الديمقراطية الكويتية تقوى وتكبر في عيوننا وعيون الآخرين، وتزداد تمرساً وصلابة، على الرغم من الإحباط والتشاؤم.
* نقلا عن صحيفة "أوان" الكويتية
