ضياء الموسوي
إضماريا كان الرئيس جمال عبدالناصر عبارة عن قطعة كريستال من الطيبة..كان يحمل وداعة الحمام لشعبه، وإن قست حاشيته على بعض من اختلفوا معه. لم يتورط الرجل في مال يوما. ونظافة كفه كانت صالحة لإقامة حفلة صلاة لملائكة .. كان يحلم بأرض فلسطينية حرة.. كان يفكر بتطهير الضمير العربي، لكن الحلم لا بد أن ينكسر كزجاج إذا كانت أرضية السياسة صلبة.
هذه قسمات مضيئة وخطوط ذهبية، ارتسمت على أحد أعمدة هرم هذا الرجل الكارزمي. بيد أن خطأ عبدالناصر كان سوء تقدير الموقف خارجيا. التفكيرفي نرجسية الماضي ونسيان خزان الحزن الداخلي.. مشكلة عبدالناصر أنه انشغل بالطموح الخارجي، وراح يوزع الفول المصري، أعني المال المصري على الخارج، في حين كان المواطن المصري يرضع من ثدي الفقر دما، وجعا، وحزنا.
سياسته الخاطئة استنزفت خزانة مصر المالية بتوزيع الأموال المصرية على الحركات الثورية، من أفريقيا إلى فلسطين إلى غيرها من مشاريع فنتازية حالمة، في عالم سياسي يعيش على برغماتية نهش رقاب الفقراء، وتوزيع عظامهم لبناء الطموحات النرجسية للعالم.
التجربة كررها صدام حسين بالتفكير في الخارج، ونسيان الأولاد في الداخل. الكارزمية العربية مغرية، ولو كانت تقود لمحارق لأن الجماهير العربية تستأنس بالمحرقة ما دامت تلبي عواطفها الجياشة. وتلكم قصة مأساتنا مع الكارزمات الشعبوية العربية والإسلامية. الرئيس الذي كان يقطر طيبة ورومانسية سياسية راح يضخ أموالا على سورية من أجل ترجمة حلم الوحدة معها. ولأن المشروع مملوء بالشقوق والثقوب، سقط ماء الجسد حتى ترنح الجسد كاملا على إيقاع هزيمة 67. بعد الهزيمة، كل المديح والشعر وطبخات الثقافة والجرائد المبخرة للجرح، لم تسعف قلب الرجل الكبير، فتوقف نبضه، ليسقط الهرم، ويسقط معه المشروع داخلا في نعش منسوج من الدموع.
لا أحد يشكك في نوايا أبي خالد، هذا الذي وصفه نزارقباني بالهرم الرابع في قصيدته «قتلناك يا آخر الأنبياء» وفي غيرها.
نعي نزار، وتغير ولاء توفيق الحكيم، أو النقد اللاذع الذي مارسه أنيس منصور، أو النقد الجارح الذي مارسه الشقيقان علي ومصطفى أمين، لم يخفف من حجم الطعنة الإسرائيلية في الخاصرة العربية.
الشعارات الجميلة العاطفية كانت نهلة العسل لإنقاد ملك النحل، لكنها ما إن نفدت، سقط العش، وماتت الشجرة، ويبست العروق، وتغيرت الغابة. لكن المشكلة أن العرب لا يتغيرون كما وصفنا ابن خلدون في مقدمته.
كل المديح لم يغير من حقيقة الهزيمة.. ما أخذ على عبدالناصر، هو طموحه الخارجي، وتضخم الإيديولوجيا، وقساوة الإستراتيجية على حساب المرونة الواقعية.. وجاء اللون الأحمر الإنقلابي والفاقع والإقتحامي على حساب اللون الرمادي.
السياسة ليست عنادا.. السياسة هي فن الممكن.
الفنتازية العربية هي وراء سقوط المشروع العربي السياسي.. الثورية غير المنضبطة أضاعت المنزل، وخربت الديكور، وزادت من الفقراء وهجرة الأولاد، ورحنا اليوم بخيبة أمل نرضى بحدود 67. كماقال أديب عربي: كلفنا ارتجالنا خمسين ألف خيمة جديدة.. سقط المشروع، وهاهي فلسطين الفتاة الجميلة، أضحت «دجاجة من بيضها الثمين يأكلون، أضحت قميص عثمان الذي به يتاجرون».
مستوطنات على كل الجسد، وحلم العودة يترنح على قبر محمود درويش، وغزة محشورة بزاوية وحصار، وقصة الرئيس الفلسطيني عرفات تنتهي من حصار إلى جائزة للوفاة، وتنشيط الذاكرة المتورمة من انقسامات الأبناء.
اليوم كل الدول الثورية معنية بذلك، أن تنتبه للجبهة الداخلية، فالأجيال التي ولدت على أعمدة الحداثة، وما بعدالحداثة، تطمح في عناق الحياة، وتلبية رغبة الشباب في العيش، وعناق كل شيء جميل في الحياة.
وللحفاظ عليهم لا بد من عدم تكرار تجربة عبدالناصر والالتفات إلى الداخل وتنميته وتقوية اقتصاده.
الشباب لن يرحمنا، وهو يشاهد العجز المادي، أو إفراغ خزانة الحكومة على ثورية خارجية، والأقربون أولى بمعروف الخزانة وبصناديق البترول والذهب والفضة.
ما أجمل اليابان وهي المثقلة بجراح الحرب العالمية الثانية. لوكانت إسلامية، أو عربية لارتدت ثوب عنترة بن شداد، وراحت تقاتل الطائرة بسيف عنترة أو بالحماسات التي ما قتلت ذبابة.. لماذا لانستفيذ من اليابان؟
ما أجمل ناس سنغافورا، وهم يلونون بلدا بلا موارد بمعجزات العقل البشري لتحيا أجيالهم سعيدة..
هل لنا أن نحلم ببلد سعيد كالدانمارك، وهو من أسعد البلدان في العالم؟.. هل لنا أن نتطور بالفكر الهندي في تقوية عافية الموارد البشرية وخلق هنود جدد يغزون العالم بالعلم والبرامج والموديلات؟..الهند راحت تنافس حتى السينما الأميركية، وبدأت تخرج على العالم بتصاميم في الأزياء استثنائية!!
انتهى زمن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
إيران اليوم، معنية بالاستفادة من تجربة عبدالناصر، والتفكير بجدية في أبناء الداخل، فإيران جارة مسلمة ونحن نود الانفتاح الثقافي والاقتصادي وخلق علاقة متينة مع كل الجيران يقوي المنطقة بأكملها.
لو أن العرب والمسلمين يتقبلون النقد بروح رياضية، لتطوروا أجمعين. إن النقد هو سترة النجاة لإنقاد واقعنا من أي طوفان.
مشكلة عبدالناصر باختصار، أنه وزع صناديق الذهب على الخارج، في حين أن أبناء الداخل، كانوا يحلمون حتى برائحة القمح.
هل نتعلم الدرس؟... أتمنى ذلك اليوم قبل الغد.
*نقلا عن جريدة "أوان" الكويتية |
