طبـاعة
حفـظ
ارسال
Bookmark and Share
مشاركة
الإثنين 27 رجب 1430هـ - 20 يوليو 2009م

ثقافة الاندهاش والتساؤل

 

عبد الله بن بجاد العتيبي

يعيش البشر اليوم مرحلة استثنائية من تاريخهم الطويل على ظهر الأرض، فهم يستمتعون بكل ما كان يعتبر في الماضي من المستحيلات، الطيران في الفضاء، انتقال الصورة والصوت عبر الأثير، الكهرباء، والضوء، واستكشاف الفضاء، واستنطاق الأحافير والمستحثّات، وغيرها كثير مما يثير الدهشة والاستغراب عند التأمل.

لقد مرّت بالبشر مراحل طويلة كانت أسئلتهم فيها ضئيلة وصغيرة ويتعلّق أغلبها بالشؤون الخاصة من مثل: كيف أكسب رزقي؟ كيف أرعى عائلتي؟ كيف أحمي نفسي من المخاطر؟ ونحوها من الأسئلة الضرورية للحياة الإنسانية الخاصة، ولكنّهم لم يتعلّموا الأسئلة الكبرى إلا في مرحلة لاحقة من تطوّر البشرية، فكانت الأسئلة حينذاك تتعلّق بالكون والوجود والحياة والجمال ونحوها من الأسئلة الكبرى التي تبحث في الغايات الكبرى، وتسعى لرسم تصوّر شمولي لكل ما حول الإنسان وللإنسان نفسه، وكان ذلك مع اليونان والإغريق الذين فجّروا أسئلة مهمة في تاريخ البشرية، كانت ولم تزل مثار نقاش وجدل وتساؤل، فنشأت الفلسفة وعلومها المتنوّعة وأثرت في البشرية ونقلتها من طور إلى طور.

وجاء الرومان وطرحوا أسئلتهم التي كانت تمليها عليهم ظروفهم التاريخية وطوّروا الفكر البشري في مجالات متعددة، كان لهم فيها مكان الريادة بفضل تساؤلاتهم الكثيرة وبحثهم عن الإجابات الملائمة، ومحاكمة تلك الإجابات ومناقشتها وتعديلها وتغييرها بحسب المستجدّات العلمية، فأعادوا شيئاً من أسئلة اليونان ومحصّوا أجوبتهم ثم طوّروا أسئلتهم الخاصة في مجالات شتى.

وغير اليونانيين والرومان كانت حضارة أخرى تفترع أسئلتها الخاصة في كل مكان بحثا عن الأفضل والأكمل، فكانت حضارات بابل والهند والصين والفراعنة وغيرها، وكان لكل إجاباته ونقاشاته وتطوّره الخاص، مروراً بالحضارات الحديثة نسبياً في التاريخ كالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية الحديثة ونحوهما، لقد كان الجامع بين تلك الحضارات جميعاً في أوج مجدها وعنفوانها هو أنّ كمية الأسئلة المطروحة كانت دائماً أكثر من كمية الأجوبة، كان حرّ السؤال يحرّك العقول ويشغل القلوب ويثير المجتمعات والنخب، وكانت الأجوبة تخضع دائماً للمحاكمة والفحص والاختبار، وذلك ما ضمن للبشر تطوّرهم في سعيهم للوصول إلى الحقيقة.

في العصور الحديثة كان منشأ النهضة الأوروبية التي غيّرت وجه العالم مبنياً على أسئلةٍ تثار وباحثين متسائلين متشككين بالميراث العلمي والفلسفي، وأشخاصا قلقين بالمعرفة وبالبحث عن الجديد، لا يرضون بالمسلّمات بل يخضعونها للمساءلة والتمحيص، وهم على الدوام مندهشون متسائلون، ومن هنا بدأت النهضة الحديثة التي عمّت العالم، وقد دفع هؤلاء المتسائلون ثمناً باهضاً من حياتهم ودعتهم واستقرارهم نتيجة للضغوط التي كانت تمارس عليهم لينضمّوا للقطيع المذعن الذي أرسى مراكبه على شواطئ باردة من الأجوبة المتجمّدة وأعطى عقله إجازةً مفتوحة.

نستحضر اليوم جاليليو وديكارت وكانط واسبينوزا وداروين ونيوتن وفرويد ودوركهايم وسميث وهيجل وآينشتاين وغيرهم كثير، ممن لم يخضعوا للمألوف ولم يرتضوا السائد في أزمانهم، بل كان التمرّد شعارهم وعقولهم المتسائلة المندهشة قائدهم، وهم بعد جادّون كل الجدّ في تتبع أسئلتهم والبحث عن إجاباتها المقنعة، هذا يسأل عن تفاحة سقطت، لِمَ تسقط للأسفل؟ ولَمَ لا تذهب للأعلى، أو إلى أي اتجاه آخر؟ فيدفعه تساؤله المثير إلى اكتشاف نظرية الجاذبية، التي قلبت تاريخ البشرية كما فعل نيوتن.

وآخر تلحّ عليه الأسئلة حول أصل الأنواع والمخلوقات، ويطوّف العالم لسنواتٍ ويجمع الصور والعينات لتلك المخلوقات، وتتطوّر أسئلته وتقلقه ويستمر في البحث عن الإجابة، حتى يصل إلى نظرية عامةٍ لأصل الأنواع لم تزل مثار جدلٍ ومحاكمة ولكنّها شكّلت نقلةً نوعيةً في تاريخ البشرية، وذلك ما صنعه "داروين".

إنّ السؤال مفتاح الإبداع، وبوّابة التطوّر، وهو ثقبنا للنفاذ من الظلمات إلى النور، فلنجعل السؤال الدائم عن كل ما حولنا، وعن كل ما ألفنا وتعوّدنا قائدنا الذي لا يظل ورائدنا الذي لا يكذب أهله، ولنجعل التساؤل قريننا على الدوام وصاحبنا الذي بقدر ما يتعبنا بقدر ما يطوّرنا، وبقدر ما يقلقنا بقدر ما يريحنا، فالنفوس القلقة تغيّر العالم وتنقله إلى مراحل متقدمةٍ بخلاف النفوس الساكنة والمستكينة.

ثمة أسئلة كبرى تمّت الإجابة عليها، ولكنّها لم تزل إجاباتٍ محتملةٍ فلنحاكم هذه الإجابات ولنسائلها من جديد، فربما شاركنا في نقل البشرية نحو أفق أشمل وأكمل، وثمة أسئلة موءودة فلنعد إليها الحياة، ولنبحث لها عن إجابات مناسبةٍ، إن أردنا التطوّر نحو الأفضل، فيجب أن يكون السؤال توأم حياتنا وتفكيرنا، ولنجعله في مكانة محظية، ولنحتفل به على الدوام، وليكن التشكك الدائم في الإجابات الجامدة مسارنا ومنهجنا، عندئذ نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق.

نعم، لقد تشعّب العلم اليوم وصار إلى سويّة التخصص الدقيق مع كل ما يثيره من أسئلة أخلاقية حول مسؤولية العلماء المتخصصين عن آثار نظرياتهم واكتشافاتهم، ولكن تلك قصة أخرى، غير أنّ من أراد أن يجعل التساؤل رائده لن يعوزه المجال الذي يركّز عليه، ولا المسألة التي قد تثيره ولا تثير غيره، فلا يتجاهل فكره وأسئلته بل ينمّيها ويركّز عليها، فربما كان واحداً من تلك الأسئلة مفتاحاً لتطورٍ بشريٍ مذهل.

يشعر كثير منّا بالأسئلة والأفكار تتوارد إلى ذهنه حين يقرأ كتاباً مثيراً، وغالباً ما تكون الأسئلة والأفكار لا علاقة لها بموضوع الكتاب، بل هي تتعلق بمجالٍ مختلفٍ تماماً، تلك واحدة من أبرع الطرق في تطوير المعرفة الإنسانية، وقد جرى عليها كثير من العلماء المشاهير، فداروين مثلا في نظريته لأصل الأنواع قد تأثر بنظرية في مجال الاقتصاد، طرحها "توماس مالثوس" عن مخاطر التكاثر السكّاني في بريطانيا الصناعية، وبدلا من تصارع البشر على الموارد التي طرحها مالثوس طرح هو التصارع في الطبيعة.

مع ثورة الابتعاث في عالمنا العربي والخليجي بخاصة اليوم ينبغي للطالب ألا يعتقد أن تخصصه العلمي هو تخصص محصور في دراسته، فتشكيل هذه التخصصات العلمية مرّ بتطورات مذهلة، وهي تطوّرات يعلمها بيقين دارسو تاريخ العلوم، وإلا فإن بإمكان دارس الإحياء مثلا الاستفادة الهائلة من دارس السياسية، بل وأكثر من هذا فدارس الدراما يمكنه أن يقدّم نظريةً يستفيد منها لحد أقصى دارس الاقتصاد، وبالتالي فإن التخصصات الحالية إنما وضعت لضمان تطوير الطالب العادي بالتوازي مع الذكي، ولكنّ الذكي يمكنه استخلاص نظريات جديدة في مجال تخصصه باطلاعه على العلوم الأخرى، واستخدام آلية المقارنة، وهي آلية فكرية عظيمة التأثير بارعة النتيجة، والأمثلة عليها لا تكاد تحصى في تاريخ العلوم وتطوّر البشر.

إنّ التطوّر البشري رهن بعقلية التساؤل والتشكيك في المسلّمات تلك القادرة عن وعي على إقلاق الأجوبة المتداولة والتصورات السائدة، وكلّما كثر المتسائلون وزادت الأسئلة، فإن بوصلتنا تشير إلى اتجاه الترقّي والتقدّم.

*نقلا عن جريدة "الاتحاد" الإماراتية

عودة للأعلى