قينان الغامدي
الموت حق. رحم الله أخانا وابننا صالح الشهري الذي لقي ربه، وليس مؤكداً حتى الآن إن كان ذهب ضحية التهاب رئوي، أم إنه فعلاً أول حالة وفاة بمرض أنفلونزا الخنازير. فالموت حدث، والرجل دفن، أما السبب فمازال حوله اختلاف، وخلاف.
نحن مؤمنون بالقضاء والقدر، ونعلم علم اليقين أن أحدنا قد يموت دون أي مرض، طفلاً أو شاباً أو كهلاً. وأحدنا الآخر قد يظل مريضاً عشرات السنين ولا يموت، لكننا مع إيماننا القاطع هذا لسنا "دراويش" ولا "مغفلين"، بل لدينا عقول مؤمنة، نقول إن لكل شيء سبباً، فإيماننا بالقضاء والقدر لا يمنعنا من التساؤل عن السبب، فلو افترضنا أن صالح الشهري – رحمه الله – مات فعلاً ضحية لأنفلونزا الخنازير، هذا المرض الذي لا تصنفه منظمة الصحة العالمية بأنه بالغ الخطورة، والذي شفي تقريباً كل من أصيب به ما لم يكن لديه أمراض أخرى مزمنة، وصالح – رحمه الله – كان شاباً لا يشكو من أي مرض آخر لا مزمن ولا طارئ، فما سبب موته؟ هل هناك خطأ في تشخيص الحالة التي بدأت معه منذ أسبوعين، وكانت الأدوية التي أعطيت له خطأ – بطبيعة الحال – لأن التشخيص الخطأ يقود إلى العلاج الخطأ، هل هذه الأدوية سبب موته؟ وإذا لم تكن – فكيف نجا المصابون بالمرض أمثاله، ومات هو؟
الأمر قد يتضح الآن. قلت إننا مؤمنون بالقضاء والقدر، وفي ذات الوقت لدينا "عقول" تعرف أن لكل شيء سبباً. والآن أضيف أن الأخطاء الطبية تقع في العالم كله المتقدم والمتخلف، لكنها في العالم المتقدم قليلة ونادرة، لأن العقوبات التي تنزل بالمستشفيات والتعويضات التي تدفعها لأهل الضحية رادعة من جهتين:
الجهة الأولى: وهي الأهم أن هذه المستشفيات حذرة كل الحذر في التوظيف، فلا يعمل فيها إلا الأكفاء في كل المجالات، وفي التجهيز، فلا تعتمد إلا أحدث منجزات العلم في جميع أجهزتها الفنية للكشف، وتجهيزاتها المساندة لراحة المريض، وبهذا تكون قطعت أكثر من ثلثي المشوار نحو مقاومة حدوث الخطأ.
الجهة الثانية: أن جميع العاملين يدركون أن وراءهم محاكم وأحكاماً "تقص المسمار"، وأن العقوبات تطالهم واحداً واحداً طالما كانوا شركاء في الخطأ أو قريبين منه، وأنه لا مجال أمامهم للكذب أو التنصل، أو تمويت المعاملة في أي "درج".
أما في العالم الثالث أو المتخلف، فالعكس هو الصحيح، فإذا أضفت إلى هذا العكس ما يحدث عندنا في المملكة، من عزف لا يهدأ على شق القضاء والقدر، وإهمال جانب "العقل"، فإن أمر الأخطاء الطبية يغدو طبيعياً وعادياً، فلا نظام يحمي، ولا مجتمع يرفض، ولهذا فالمستشفيات الأهلية تقتدي بمستشفيات وزارة الصحة من حيث المستوى في التوظيف والتجهيز والفوضى، والطرفان في ظل نظام واحد للأخطاء الطبية لا سبيل لأي ضحية أمامه سوى أن يستسلم أهلها لإلغاء عقولهم واللجوء إلى الواحد الأحد. ولا بأس مع أو بعد ذلك من شكر وزارة الصحة على شفافيتها.
أخطبوط البلاء في أجهزة ومستشفيات الصحة حكومية وأهلية متمدد ومتجذر وعميق، وما يحدث بين الحين والآخر ليس إلا رأس جبل الجليد الذي يظهر على استحياء، ثم يسقط مرة أخرى تحت أمواج القضاء والقدر التي أفقدت المجتمع عقله ووضعت مكانه شفافية وزارة الصحة.
* نقلا عن "الوطن" السعودية
|
