سعيد حارب
شهدت منطقة الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة تحولات واسعة في مختلف المجالات، كان من أبرزها التعدد الكبير في وسائل الاتصال ودخول شبكة الإنترنت كإحدى الوسائل المهمة لمصادر الأخبار والمعرفة بصفة عامة. لكن الصحافة المقروءة ما زالت تشكل مصدرا أساسيا لكثير من القرّاء.
وعلى الرغم من الحرية الواسعة التي توفرها شبكة الإنترنت، إلا أن الصحافة المقروءة ما زالت متأخرة كثيرا في مجال الحريات في معظم دول المنطقة، إذ تطالعنا الأخبار بين فترة وأخرى عن إيقاف صحيفة أو «جرجرة» رئيس تحرير، أو صحافي في جريدة إلى أروقة المحاكم لمواجهة قضايا يرفعها بعض الأشخاص أو الهيئات عليهم.
وكثيرا ما تبرأ الصحيفة مما يوجه إليها، لكن ذلك يشير إلى أن مفهوم حرية الصحافة لم يترسخ في مجتمعاتنا بعد، أو أن هناك من هو خائف من الصحافة، لأنه يعتقد أن هذه الصحافة قد تجاوزت الخطوط الحمر، حين تناقش موضوعات ما كان لها أن تطرح، متناسيا أن ما تطرحه الصحافة من قضايا وطنية، إنما هو أمر طبيعي في أي صحافة تريد أن يكون لها دور مهم ومؤثر ومصلح في مجتمعها، إذ لا يختلف اثنان على أن رسالة الصحافة توازي وتساوي باقي مؤسسات الدولة، ودورها لا يتوقف عند الوصف، أو النقل والتعريف، بل لها رسالة أوسع من ذلك وأشمل، تنطلق من معالجتها الأخطاء بموضوعية وشفافية. وهذا ما تعمل له الصحافة في دول العالم المتقدم، بل كثير من الدول النامية، ولم يعد من الممكن الحجر على الصحافة ورسالتها التي اخترقت كل الحواجز.
وإذا كان من الممكن في السابق أن تمنع جريدة أو صحيفة لموقف سياسي أو فكري فإن عصر «الإنترنت» ألغى ذلك، ولا نعتقد أن البشرية سترجع و«تنتكس» عما حصلت عليه من مكاسب في هذا ميدان، ولم يبق من الصحافة المتخلفة أو المقيدة إلا تلك الصادرة في مجتمعات تساس بالدكتاتوريات، وتقيد فكر الإنسان قبل أن تقيد حريته.
أما الشعوب التي تتطلع لأن تأخذ مكانتها بين الأمم، فإن حرية الصحافة هي المقدمة الأولى للحريات الإنسانية، ولذا فإن الصحف التي تمارس حريتها، فإنها لا تأتي بجديد ولا تخالف الواقع، بل تقرره حتى تصبح صحافة تستحق أن تعيش في عالم اليوم. وإذا كانت الصحافة في المجتمعات المتقدمة، حيث ترسخت المفاهيم الحديثة في تطبيق القانون والرقابة على أداء المؤسسات الرسمية، وتمثيل الفرد والتعبير عن آرائه، إذا كانت هناك كذلك، فإنها في المجتمعات النامية التي تحتاج إلى ترسيخ تلك المفاهيم أكثر حاجة للقيام بهذا الدور، لأن المجتمعات النامية يعتريها كثير من البيروقراطية أو الفساد الإداري، إضافة إلى أن دور الإنسان في هذه المجتمعات مازال محدوداً، إن لم يكن مهمشاً. ومن هنا تنبع الحاجة لوجود صحافة حرة تعالج ذلك، وترسخ دور الإنسان، وتعبر عن همومه ومشكلاته.
وإذا تقرر هذا المبدأ، فإن من الطبيعي أن تقدم الصحافة الحرة صورة المجتمع ومؤسساته على حقيقتها دون خداع أو تضليل، بل إنها تقوم بدور الطبيب في تشخيص معضلات المجتمع، فإذا كانت مهمة الطبيب أن يبين للمريض مرضه، ويصف له الدواء، فإن الصحافة تقوم بهذا الدور كذلك. كما أن الذي يذهب للطبيب لا يسأل عن السليم في جسمه، وإنما يسأل عن العليل فيه، وكذا الصحافة يلجأ إليها الإنسان لكشف مواطن الزلل في مجتمعه. ولذا فإن عدم فهم رسالة الصحافة، هو الذي يجعل بعضنا يتردد في مساندتها، أو يتخوف من التعامل معها.
أما إذا فهمت تلك الرسالة، فإن الجميع يستطيع أن يتعامل مع الصحافة بلا حرج أو ضغوط، وبخاصة إذا كان يتصدر وظيفة عامة، إذ إن من يتولى ذلك، إنما يمارس دوره نيابة عن المجتمع، ومن حق المجتمع أن يعرف ما يقوم به، ويسانده متى احتاج إلى ذلك، ويحاسبه إذا قصر فيه، وقديماً قالت العرب «من ألف فقد استهدف»، فكيف بمن يمارس تلك الوظيفة العامة؟ فإنه بلا شك مستهدف لأنه لا يمثل نفسه ولا يمثل مصالحه، بل يمثل المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه؟.. ولذلك فهو تحت المجهر وعليه أن يتحمل تلك المسؤولية، وينال شرفها، أو يتخلى عنها، إن شعر أنه غير قادر على أدائها.
* نقلاً عن "أوان" الكويتية
