طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الخميس 15 شعبان 1430هـ - 06 أغسطس 2009م

حسن أبوباشا

 

د.  مصطفى الفقي

هو فى ظنى أكثر وزراء الداخلية تسييساً وقد لا يسبقه فى ذلك إلا وزير داخلية العصر الناصرى «شعراوى جمعة»، ويعتبر اللواء «حسن أبوباشا» مهندس المواجهة الأمنية مع التطرف الدينى، ثم الجماعات الإرهابية بعد ذلك فى إطارٍ سياسى ومن خلال رؤيةٍ لا تقتصر على المنظور الأمنى وحده، وتربطنى بهذا الرجل، رفيع الثقافة، عميق الفكر، صلاتٌ طويلة بدأت منذ بداية الستينيات من القرن الماضى عندما كان المقدم ثم العقيد «حسن أبوباشا» هو مفتش مكتب المباحث العامة لمحافظة الجيزة ومقره على بعد خطوات من جامعة القاهرة،

وكان الرجل يقوم بعملية ديمقراطية بديلة فى ظل التنظيم السياسى الواحد ومع غياب المشاركة السياسية وسيطرة الشرعية الثورية، فكان يدعونا نحن الطلاب البارزين من كلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» إلى حواراتٍ مفتوحةٍ وممتدة وبحريةٍ كاملة، نقوم خلالها بانتقاد بعض ممارسات عصر الرئيس «عبدالناصر»، مع التعليق على الأحداث من أجل توصيل الرأى العام إلى صاحب القرار، ولقد لفت نظرى أن الأمر كان يتم بحرية وشفافية كاملتين تعتبران استثناءً فى ذلك الوقت،

كما أننى أشهد الله أننا قيادات طلاب كلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» «على الدين هلال» و«طه خليل» و«مصطفى الفقى» و«مخلص قطب» وغيرهم لم يطلب منهم مسؤول فى يومٍ من الأيام كتابة تقريرٍ عن أشخاص بعينهم، ولو حدث ذلك لرفضوه من حيث المبدأ، ولكن فلسفة «حسن أبوباشا» كانت هى أن طلاب العلوم السياسية قادرون على خدمة النظام من خلال ترشيده بتقديم الرأى الآخر، وكان الرجل متحمساً للحوار فى الشؤون الدولية والقضايا الإقليمية، بل والأحوال الداخلية أيضاً،

ومازلت أذكر أننا كنا ننقل وجهة نظر الشارع المصرى تجاه «حرب اليمن» والعلاقات العربية - العربية والدور السوفيتى فى مصر والشكوى من غياب الحريات وحدوث بعض الاعتقالات دون محاكمة، ولم نتعرض لأى أذى نتيجة ما قلناه، بل العكس كنا نشعر باحترامٍ ومودة فى إطار المصلحة العليا للوطن، ثم مرت سنوات وجاءنى اللواء «حسن أبوباشا» إلى «لندن» برفقة زوجته الراحلة التى كانت تتردد على العاصمة البريطانية للعلاج، وأتاحت لى الظروف وقتها أن أستمتع بجلساتٍ طويلة معه، استكمالاً لعلاقةٍ وثيقة سبقت ذلك بعشر سنواتٍ على الأقل،

ولقد تحمل السيد «حسن أبوباشا» الذى كان يحمل درجة جامعية إلى جانب شهادة تخرجه فى كلية «البوليس»، فى أيامه عبء التخطيط للمواجهة مع الجماعات المتطرفة، مع تربية كوادر جهاز المباحث العامة، الذى تولى رئاسته بعد اللواء «حسن طلعت» وتمكن من لعب دور حاسم فى تأمين الجبهة الداخلية خلال الأسابيع التى أعقبت اغتيال الرئيس الراحل «محمد أنور السادات» حتى أصبح وزيراً لداخلية مصر، حيث شارك فى إجراء واحدة من الانتخابات النزيهة فى تاريخ الحياة النيابية المصرية مصطدمًا ببعض القيادات الحزبية وفى مقدمتهم الدكتور «فؤاد محيى الدين»، رئيس الوزراء حينذاك، ثم جرى استبعاده إلى وزارة «الإدارة المحلية»، حيث تعرض لرصاصاتٍ غادرة من بعض العناصر المتطرفة كادت تودى بحياته وتركت آثارها على جسده بقية سنوات عمره،

ولقد تميز الرجل دائماً بالرصانة والحصافة والحكمة مع الهدوء والروية والقدرة على ضبط النفس واتخاذ القرار المناسب فى وقته، وقد اقترنت ابنته الفاضلة بأستاذ الطب اللامع والسياسى المرموق د. «حسام بدراوى» وقديماً قالوا «إن الطيور على أشكالها تقع»، وعندما أفكر فى تاريخ الأجهزة الأمنية لبلادنا فإننى أضع اسم «حسن أبوباشا» فى المقدمة، باعتباره صاحب مدرسة سياسية للمعالجة الأمنية،

كما أن له رؤيته الشاملة فى التعامل مع العناصر المتطرفة، ولقد رحل الرجل عن عالمنا منذ سنواتٍ قليلة تاركاً خلفه رصيداً كبيراً من الاحترام والتقدير من أصدقائه وخصومه على السواء، فقد كان عف اللسان، طاهر اليد، قوى الشكيمة، مع حس إنسانى رفيع وقدرة مشهودة فى قراءة الأحداث وفهم الشخصيات وتحليل المواقف.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

عودة للأعلى