طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الجمعة 16 شعبان 1430هـ - 07 أغسطس 2009م

رؤية د‏.‏غالي لتصحيح مسار النظام الدولي

 

د.  أحمد يوسف القرعي

‏في إطار دعوته التي عبر عنها منذ وقت مبكر يواصل د‏.‏بطرس بطرس غالي تقديم تصوراته لانتشال الأمم المتحدة من واقعها المتردي‏,‏ واستحداث جيل ثالث من المنظمات الدولية‏,‏ وأشار د‏.‏غالي في كتاباته وتصريحاته الأخيرة إلى أهمية المشاركة في قيام جمعية برلمانية دولية تكون تابعة للأمم المتحدة لإيجاد تواصل ديمقراطي مباشر بين مواطني العالم‏,‏ وحكوماتهم الممثلة أساسا في الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام‏1945.‏

وجاءت دعوة د‏.‏غالي للمشاركة في قيام الجمعية البرلمانية الدولية تواصلا واستكمالا لمنظومة من الرؤى المستقبلية لإصلاح الأمم المتحدة منذ أن وضع أول كتاب باللغة العربية عن التنظيم الدولي عام‏1956.‏

وأشار د‏.‏غالي في هذا السياق الى نموذج المدينة الفاضلة التي نادى بها المفكر الإسلامي الفارابي في كتابه ‏( آراء أهل المدينة الفاضلة‏)‏ المنشور في منتصف القرن الثامن الميلادي‏.‏ كما أشار د‏.‏غالي أيضا في كتابه الى دعوة عبد الرحمن الكواكبي في أواخر القرن التاسع عشر‏,‏ ثم كرر د‏.‏غالي الإشارة إلى الفارابي والكواكبي في كلمته الأولى كأمين عام للأمم المتحدة أمام الجمعية العامة في يناير‏1992,‏ وفضلا عن هذا فقد أشار د‏.‏غالي في كلمته إلى أبرز التحديات التي تواجه العالم الثالث‏,‏ وفي مقدمتها المديونية‏,‏ وتحقيق التنمية وركز د‏.‏غالي على المواجهة الجماعية التي تحقق التعاون الدولي‏,‏ وطالب بضرورة التطلع لتحقيق تنمية اقتصادية دولية بأبعادها المختلفة‏.‏

وانطلق د‏.‏غالي بعدها يطرح رؤاه في إصلاح الأمم المتحدة‏,‏ وبدأ بدعوة مجلس الأمن للاجتماع على مستوى القمة للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية‏.‏

وركز بيان قمة مجلس الأمن الصادر في‏31‏ يناير‏1992‏ على أهمية الأمن الجماعي الدولي في أربع نقاط أساسية هي‏:‏

واستجابة لبيان قمة مجلس الأمن قدم د‏.‏غالي وقتها برنامجا متكاملا من المقترحات لإجراء تغييرات واسعة النطاق في دور الأمم المتحدة لتعزيز دورها في إقامة حفظ السلام والأمن الدوليين‏.‏

وكان من أبرز مبادرات د‏.‏غالي أيضا مبادرة إصلاح مجلس الأمن بهدف توسيع عضوية المجلس من ناحية‏,‏ والتمثيل الجغرافي العادل لكل الدول‏,‏ سواء على مستوى الدول دائمة العضوية أو غيرها من الدول الأعضاء‏,‏ وفي هذا السياق طرحت آراء مهمة تدعو الى تعديل عام على الهيكل التنظيمي لمختلف أجهزة المنظمة الدولية حتى لايقف ميثاق المنظمة عاجزا عن مسايرة التطورات والمتغيرات الدولية الجديدة والمتجددة‏,‏ وحتى يمكن موازنة دور مجلس الأمن مع جهاز الجمعية العامة التي تمثل كل الدول‏.‏

ويبدو واضحا ان مقترحات ومبادرات د‏.‏غالي لم تلق فرصتها أو فيما بعد استحسان الإدارة الأمريكية سواء في عهد إدارة الديمقراطيين أو الجمهوريين حيث انشغلت واشنطن بتعميد نفسها قطبا أوحد دون منافسة من جانب منظمة دولية تمتلك صناعة القرار الدولي‏,‏ أو مجموعة قوى دولية تشاركها في اتخاذ القرار بشأن تطورات العلاقات الدولية‏.‏



وأكثر من هذا فقد جاء الفيتو الأمريكي الذي حال دون أن يستكمل د‏.‏غالي المرحلة الثانية كأمين عام للأمم المتحدة عام‏1996,‏ وعلى الرغم من هذا فقد واصل د‏.‏غالي إبداء تصوراته لإصلاح الأمم المتحدة من موقعه كمفكر سياسي تحتفي به كل المحافل الدولية‏,‏ وبادر د‏.‏غالي بالدعوة الى استحداث جيل ثالث من المنظمات الدولية‏,‏ يضم حركات المجتمع المدني غير الحكومية التي اشتد ساعدها وقويت شوكتها منذ التسعينيات‏,‏ وطالب د‏.‏غالي بفتح الباب على مصراعيه للجمعيات غير الحكومية وممثلي المدن والبرلمانات للاشتراك في إدارة العلاقات الدولية لتوفير حد أدنى للديمقراطية في الجمعية العامة للأمم المتحدة‏,‏ وان تضمن الديمقراطية لأية منظمة أخرى تتولى في المستقبل الإشراف على العلاقات الدولية‏.‏

وواصل د‏.‏غالي تقديم وجهات نظره وكان من أبرز مبادراته الأخيرة كما سبقت الإشارة دعوته الى اقامة برلمان عالمي تكون مهمته الأساسية إعطاء الفرصة لسكان المعمورة بالقيام مباشرة بعملية الشراكة في شئونهم ولمواجهة التحديات والمشكلات مثل قضايا التغيير المناخي ومكافحة الأمراض والأوبئة والتجارة العالمية وقضايا الفقر وغيرها من المشكلات‏.‏

ومع إدراك د‏.‏غالي ان تأسيس هذا البرلمان العالمي لن يكون بالأمر الهين‏,‏ فقد يواجه بالحجج والعراقيل والتي تقول ان أغلبية نواب الدول الكبرى سوف تسيطر عليه‏,‏ وان معظم دول العالم غير ديمقراطية‏..‏ وبرغم هذا فإن د‏.‏غالي متفائل ويرى ان الديمقراطية تتوسع حول العالم وهذا يتطلب جهدا مضاعفا‏.‏ ويشير في سياق مقال موجز كتبه في صحيفة الشروق‏(4‏ يوليو‏2009)‏ الى نجاح حركة دولية في تأسيس جمعية تأسيسية للبرلمان العالمي‏,‏ ومن المؤيدين لهذا المشروع البرلمانان الأوروبي والافريقي‏,‏ وبرلمان أمريكا اللاتينية‏,‏ ومجلس النواب الارجنتيني الى جانب تأييد أكثر من سبعمائة نائب برلماني بارز حول العالم‏.‏

ويرى د‏.‏غالي في ختام مقاله ان قيام جمعية برلمانية تابعة للأمم المتحدة يمكن ان تكون أداة قوية وفاعلة لدعم عملية التحرك الديمقراطي على المستوي الوطني‏,‏ وسوف تسمح بتمثيل الأقليات والمعارضة بما يعني اقامة آلية ديمقراطية مباشرة بين المؤسسات العالمية والسكان المعنيين‏,‏ والذين ينتظرون حلولا جذرية للمشكلة الاقتصادية تتعدى مجرد السلامة المالية‏,‏ وتحقيق الارباح لقطاع البنوك‏,‏ فما يريده الناس هو نظام ديمقراطي دولي يستجيب لحاجاتهم‏,‏ ويبدد مخاوفهم وهذا لن يتم من وجهة نظر د‏.‏غالي الا عبر جمعية برلمانية عالمية‏.‏

وأخيرا‏..‏ فلعل البرلمان العربي يبادر بالمشاركة لينال على الأقل شرف المشاركة في تدشين هذا الكيان الدولي غير المسبوق

* نقلاً عن "القدس" الفلسطينية

عودة للأعلى