محمد أبو رمان
تتجاوز الفتوى التي أصدرها مجلس الافتاء مؤخراً في عدم مشروعية بعض بنود اتفاقية سيداو (التي رفعت الحكومة تحفظاتها عنها) المعنى الفقهي المحض إلى الدلالات السياسية والثقافية العامة.
قبل ذلك كانت دائرة قاضي القضاة قد رفعت إلى الحكومة مذكرة تتضمن التأكيد على تناقض بعض الأحكام مع الشريعة.
قد تكون، في حدود ما أعرف، هذه المرة الأولى التي تصدر فيها عن المؤسسة الدينية الرسمية مواقف معلنة وواضحة في رفض سياسة رسمية أو قرار حكومي معين، فغالباً ما كانت الاختلافات تتم سابقاً من وراء الكواليس، وفي مخاض ما قبل صدور القرار، لكن ليس في العلن ولا في الوجه مباشرة مع المؤسسات السياسية.
المؤسسة الدينية الرسمية عندما أصدرت فتواها كانت على علم ليس فقط بالقرار الحكومي (فجاءت الفتوى ضد القرار)، بل بالجهات التي تقف وراءه والضغوط الدولية لتمريره، وتعمل وفق أجندة اجتماعية وثقافية معينة. هذا يعني أنّ الفتوى، بحد ذاتها، هي رسالة سياسية استثنائية ترفض تجاوز هذه المؤسسة والقفز عنها في صوغ السياسات الرسمية.
بعيداً عن موقفي الشخصي من بنود اتفاقية سيداو، فإنّ هذه الفتوى تؤكد & bsp; أنّ استيراد الوصفات الجاهزة دوماً وإسقاطها على البلاد أو تجاهل المؤسسات والثقافات السائدة ومحاولة القفز عنها بجرة قلم، بمثابة مسار خاطئ تماماً، إذ إنّ مثل هذه القرارات والسياسات يجدر أن تنبع من اعتبارات داخلية، وتكون محصلة حوار فقهي وفكري معمق بين المؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية، لا أن تأتي جاهزة أو بضغوط خلفية.
الاتجاه العام في المؤسسة الدينية الرسمية يتسم بالمحافظة، مقارنة حتى ببعض الاتجاهات داخل الحركة الإسلامية. لكن من قال إنّ المطلوب مؤسسة دينية طيعة لينة توظف دوماً لخدمة التوجهات السياسية الرسمية، إذ إن ما أضعف المؤسسة الدينية سابقاً وهزّ من مصداقيتها عدم شعور الناس بوجود مسافة فاصلة معتبرة بينها وبين السلطة.
على النقيض من ذلك، فإنّ المطلوب مؤسسة دينية مستقلة تملك مصداقيتها وحضورها واحترامها في الشارع.
مشكلة السياسات الرسمية أنّها تجاهلت أهمية المؤسسة الدينية، خلال العقود السابقة، بل همّشتها، وجعلتها تابعاً ضعيفاً، فوصلت إلى حالة من الفقر المالي والعجز والضعف، ما جعلها في تصور الشارع نفسه مؤسسات هشة، غير قادرة على الاستقلال عن القرار السياسي، وتقديم الموقف الشرعي والفقهي المستقل، فذهب الناس يبحثون عن الفتوى والزاد الفقهي والنشاط الإسلامي خارجها.
فضلاً عن ذلك، بقيت المؤسسة الدينية، إلى مرحلة قريبة، عاجزة حتى عن تلبية مصالح موظيفها وتطويرها، ليكونوا على درجة من الاحترام والرقي المجتمعي، ما يتناسب مع سلطة "الموعظة الحسنة" والفتوى الفقهية التي يمتلكونها، والتي تزداد أهميتها وحضورها مع التزايد المستمر والتوسع الكبير في مظاهر التدين ومفاهيمه في الأوساط الاجتماعية العامة.
اليوم، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إنهاء حالة الفوضى في "الحقل الديني"، ما يدفع إلى ردّ الاعتبار للمؤسسة الدينية الرسمية وهيكلة أوضاعها وتحسين شروط عملها لتكون قادرة على النهوض وملء المساحة المطلوبة في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفقهي.
ذلك أمامه استحقاق كبير وهو المساهمة في "صناعة" رموز في الوعظ والفقه والدعوة، لهم مكانة واحترام واستقلالية، ويمتلكون روحاً تجديدية خلاّقة، وثّابة إلى الاجتهاد والتطوير ويمتلكون إلماماً بالمعارف وشروط العصر.
وذلك، أيضاً، يقتضي تشكيل مجلس من خبراء ومثقفين وعلماء لوضع استراتيجيات للسياسات الدينية والربط بين المدخلات (كليات الشريعة، مناهج المدارس، الثقافة الإسلامية) وبين المخرجات (وزارة الأوقاف، القضاء الشرعي، الإفتاء، الحصص الإسلامية في الإعلام).
الفتوى الجديدة قد تكون مفترق طرق نحو الاستقلالية وهي عنوان رئيس وشرط أساس في ردم الفجوة بين الخطاب الديني الرسمي وبين الضرورات الاجتماعية والسياسية المتجددة.
* نقلاً عن جريدة "الغد" الأردنية
