طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الثلاثاء 04 رمضان 1430هـ - 25 أغسطس 2009م

منصب الرئيس

 

د.  مصطفى الفقي

يثور لغط شديد علي الساحة السياسية وأروقة الحياة العامة في مصر خلال السنوات الأخيرة‏,‏ وهو حديث يدور في مجمله حول ما يمكن تسميته خارطة الطريق المصرية‏,‏ فلمصر الآن رئيس لايزال في كامل لياقته‏,‏ أطال الله في عمره‏,‏ ومع ذلك فالشعوب بطبيعتها لا تتوقف عن الثرثرة في الحديث حول المستقبل لأنها لا تراه بعيدا‏,‏ فهو قادم لكي يكون حاضر الأبناء والأحفاد‏,‏ وأنا أزعم أن الرئيس مبارك قد خدم وطنه قرابة ستين عاما كاملة‏,‏ فتاريخه العسكري هو الذي قدمه لموقعه السياسي‏,‏ وقد بذل الرجل جهدا مضنيا في كل المواقع التي تبوأها من عام‏1949‏ وحتي الآن‏,‏ وحيث ينص الدستور المصري علي جواز تعيين نائب للرئيس دون أن يلزمه بذلك‏,‏ فإن الرئيس مبارك قد اختار أن يترك ذلك الموقع شاغرا‏,‏ وهو يستند في هذا إلي منطق خاص يري أن تعيين نائب للرئيس هو اختيار مسبق من الرئيس الحالي للرئيس المقبل‏,‏ فلقد كان السادات نائبا للرئيس عبدالناصر فأصبح من بعده رئيسا‏,‏ وكذلك كان مبارك نائبا للسادات فتولي بعده الرئاسة‏,‏ وهذا الاشتباك بين منصب نائب الرئيس والرئيس المقبل قد أضر بالموقعين معا‏,‏ لكن لو أننا نجحنا بشكل مقنن أن نفصل بين منصبي نائب الرئيس والرئيس المقبل‏.

ونفض الاشتباك بينهما لدي العقلية المصرية لكان الوضع أفضل بالتأكيد‏,‏ لكن الذي حدث هو أن الأمرين اختلطا معا وأصبح اختيار نائب الرئيس قيدا علي إرادة الجماهير‏,‏ ومصادرة علي المطلوب‏,‏ ويهمني هنا أن أؤكد بعض المعاني والانطباعات التي استقرت في يقيني وأنا أتابع ما يكتب حول هذا الأمر من كل الاتجاهات والقوي السياسية‏,‏ وسوف أتطرق بالضرورة إلي ما يدور في الشارع السياسي‏,‏ كما أنني لن أتجاهل المسكوت عنه في هذا الشأن‏,‏ ولست أبغي من طرح هذا الموضوع إلا تعزيز روح الشفافية في مجتمع ينبغي أن يحرص عليها‏,‏ وأن يتمسك بها‏,‏ وبالتالي فلست جزءا من أجندة سياسية معينة‏,‏ كما أنني لا أسعي لتأييد توجه بذاته‏,‏ ولا أروج إلا لمصلحة مصر‏,‏ ولن يحكمني في السطور المقبلة إلا ما يصدر عن ضمير وطني خالص‏:‏

أولا‏:‏ إن منصب رئيس الدولة في مصر حيث النظام السياسي المختلط الذي يجمع بعض الخصائص المشتركة من النظامين الرئاسي والبرلماني معا هو منصب صعب أقرب إلي التكليف منه إلي التشريف‏,‏ إذ إن المشكلات اليومية لثمانين مليون مواطن هي بالضرورة مسئولية الجالس علي مقعد ولي الأمر‏,‏ وحكم مصر ليس نزهة سهلة‏,‏ ولا متعة دائمة‏,‏ فمصر بلد قديم وكبير‏,‏ عريق ومتحضر‏,‏ لكنه يضم شعبا عاني عبر التاريخ من أزمة الثقة المفقودة مع حكامه حتي نطق الفلاح الفصيح في العصر الفرعوني‏,‏ وضج المشايخ في العصر المملوكي‏,‏ وظلت الشكوي سمة مصرية دائمة‏,‏ ومعاناة إنسانية قد لا تنتهي أبدا‏.‏

ثانيا‏:‏ إن مصر بلد النيل والأهرام‏,‏ بلد الأزهر الشريف‏,‏ والكنيسة القبطية‏,‏ بلد أحمس‏,‏ ورمسيس الثاني‏,‏ بلد محمد علي‏,‏ وجمال عبدالناصر‏,‏ والسادات‏,‏ ومبارك‏,‏ بلد أم كلثوم‏,‏ وعبدالوهاب‏,‏ وطه حسين‏,‏ وسلامة موسي‏,‏ وتوفيق الحكيم‏,‏ ونجيب محفوظ‏.‏ إنها مصر التي صدت الطغاة‏,‏ وقهرت الغزاة‏,‏ وقدمت للإنسانية والعالمين العربي والإسلامي أسماء من أمثال الإمام محمد عبده‏,‏ وبطرس بطرس غالي‏,‏ وأحمد زويل‏,‏ ومحمد البرادعي‏,‏ لذلك فإن القياس علي مقومات هذا البلد ينبغي أن ينسحب بالضرورة علي حجم رئيسها‏,‏ وإمكاناته‏,‏ وقدراته‏,‏ وصفاته‏.‏

ثالثا‏:‏ إن الذي يأتي بالرئيس المصري هو الشعب المصري‏:‏ المدينة والقرية‏,‏ والأحياء الراقية والعشوائيات‏,‏ المسجد والكنيسة‏,‏ الأحزاب والنقابات‏,‏ الجامعات التي هي عقل الوطن ورصيده‏,‏ إنها أيضا القوات المسلحة درع الوطن وضميره‏,‏ لذلك فإن اختيار الرئيس هو إجراء دستوري يمضي فيه البرلمان الذي يقترب عمره في مصر من المائة وخمسين عاما‏,‏ وهو تعبير عن إرادة شعبية جماعية تأتي بالحاكم عن اقتناع‏,‏ وتدعمه عن استحقاق‏,‏ وتمضي وراءه عن جدارة‏.‏

رابعا‏:‏ لقد أفزعني كثيرا ذلك الكم من الأسماء المطروحة التي يجري ترشيحها لذلك المنصب الخطير بلا مقومات واضحة‏,‏ أو استحقاقات تاريخية حتي ظهر هواة الشهرة‏,‏ وتحركت النمور الورقية من مختلف الاتجاهات بلا استثناء‏,‏ بينما مصر أكبر من ذلك وأعرق وأعظم‏,‏ وكأن اختيار الرئيس المصري ليست له قواعده وضوابطه‏,‏ أو أنها لا تخرج عن مجرد اختيار وزير أو مسئول كبير‏,‏ بينما الأمر يختلف تماما‏,‏ فهناك شروط واجبة‏,‏ ومسئوليات جسام لأن رئيس الجمهورية في مصر هو أيضا رئيس السلطة التنفيذية بحكم الدستور‏,‏ وهو الحكم بين السلطات في الوقت نفسه‏,‏ كما أنه هو القائد الأعلي للقوات المسلحة التي قال عنها وزير الدفاع الأمريكي في حديث علني عام‏2008:‏ إنها أكبر جيوش المنطقة وأقدمها وأكثرها مهنية‏.‏

خامسا‏:‏ إن الرئيس المصري لابد أن يكون مدعما من قوة اجتماعية قادرة علي مساندته عند اللزوم علي نحو يتيح له حرية التحرك‏,‏ والقدرة علي اتخاذ القرار المناسب‏,‏ فالرئاسة إذا كانت متعة في التشريفات والحفلات فإنها أزمة كبري أمام الكوارث والتحديات‏,‏ وعند النكسات والنكبات‏,‏ فالحياة عند القمة مأساة إنسانية من نوع خاص تجعل الحاكم يقف فوق جبل الجليد البارد وهو لا يملك الأدوات المباشرة لتحريك القوي السياسية‏,‏ والقيام بالتوازنات المطلوبة‏.‏ إن رئاسة الدولة كياسة وحصافة وحكمة وصبر وإحساس بالآخرين‏,‏ وتفاعل مع قضايا الوطن وشئونه‏,‏ واهتمام دائم بمشكلاته وهمومه‏,‏ لذلك فإنني أعجب لمن يقدم نفسه أو يرشحه مريدوه لهذا المنصب الخطير في جسارة أحيانا‏,‏ وسذاجة أحيانا أخري‏,‏ وكأنما يقدمه رفاقه إلي وظيفة حكومية عادية حتي ولو كانت رئاسة مجلس الوزراء‏,‏ لأن موقع رئاسة الدولة في مصر شيء آخر يحتاج إلي مواصفات خاصة‏,‏ وصفات نادرة‏,‏ ومقومات فريدة‏.‏

سادسا‏:‏ إن هناك وهما لدي بعض العناصر التي تفتقد الخبرة السياسية الحقيقية‏,‏ والدراية الواعية بطبيعة الشعب المصري فيصدرون أسماء بذاتها‏,‏ وشخصيات بعينها متصورين أن المباركة الخارجية هي جواز السفر لدخول قصر الرئاسة‏,‏ وأنا أقول لهؤلاء وأولئك‏:‏ إن اختيار الرئيس المصري هو قرار شعبي يعبر عن إرادة الأمة‏,‏ ولا يفرض عليها‏,‏ كما لا يأتيها من فراغ‏.‏ إن اختيار الرئيس هو قرار وطني داخلي‏,‏ وليس فرضا خارجيا علي شعب واجه عبر تاريخه الطويل كل أنواع الضغوط الخارجية بفطنة ويقظة مشهودين‏.‏

سابعا‏:‏ قلت من قبل‏,‏ ولعشرات المرات‏,‏ إن قيادة الأوطان تقتضي الوقوف علي أرض وطنية صلبة‏,‏ وإنها تختلف عن إدارة المؤسسات‏,‏ أو تكوين الشركات‏.‏ إنها بعد إنساني عميق‏,‏ ورؤية شاملة لجميع مناحي الحياة‏,‏ لذلك فهي تحتاج إلي لياقة ذهنية عالية‏,‏ وسلامة بدنية كاملة‏.‏ إنها تحتاج إلي العقل المرتب‏,‏ والذهن المجدول‏,‏ والفكر الواضح‏,‏ والنظرة البعيدة القادرة علي استشراف المستقبل في كل الظروف‏,‏ وهناك عشرات النماذج الناجحة في مجالات تخصصاتها‏,‏ لكنها لا تصلح لمقعد الرئاسة لأن ذلك التكليف الشعبي الواسع يأتي لمن عرف معاناة الناس‏,‏ وعرك مشكلاتهم‏,‏ وخبر أحوالهم‏,‏ وأدرك معني العدالة الاجتماعية‏,‏ وتأمل في صمت معاناة الطبقات الكادحة في مجتمع مازال الفقر ينهش في أوصاله‏.‏

هذه قراءة موضوعية لملف شائك لا يبدو الحديث فيه متاحا إلا في همس الصالونات‏,‏ أو صفحات الصحف المستقلة أو المعارضة‏,‏ والعالم من حولنا يتحدث عن مصر أم الدنيا المنجبة المعطاءة التي لا يتوقف مددها لمن حولها فهي طاقة الضوء‏,‏ وشعلة التنوير‏,‏ وقائدة المسيرة‏,‏ هكذا كانت منذ الأزل‏,‏ وهكذا سوف تكون بإذن الله إلي الأبد‏.‏

*نقلا عن جريدة "الأهرام" المصرية

عودة للأعلى