كتاب من أهم الكتب إن لم يكن أهمها في هذا الموضوع الخطير، سواء فيما يتعلق بالاستعمار كظاهرة توسعية عدوانية تعرض لها أغلب شعوب العالم التي نالت من ويلاتها كظاهرة عدوانية عنصرية، أو قوة نهب همجية لنهب ثرواتها الطبيعية إلى درجة الاستنزاف، وإنهاك الإنسان فيها كقهره واستغلاله وتسليط أنواع الضغط المادي والمعنوي عليه، وإبقائه في سجن العبودية والتخلف. كتاب هام ليس بموضوعه فقط، وإنما بالحجم الكثيف للمعرفة التي تضمنها والمعلومات القيمة التي احتواها، ولكن وبالخصوص، بالمنهج المترابط الذي سلكه المؤلف في استغلاله للمعارف الموسوعية للحقول المعرفية الواسعة في ميادين العلوم الاجتماعية المختلفة والربط بينها في سياقات محكمة. فكتاب (الثقافة والامبريالية) كتاب موسوعي تاريخي فلسفي اجتماعي سياسي أدبي.
كل هذه المعارف تتداخل من غير تضارب أو تزاحم، بل تتآزر في عملية بحثية مخبرية فريدة. فالكتاب بهذه الشمولية والترابط هام ليس بالموضوع الذي يتناوله ولكن بهذا الربط المحكم بين فروع متداخلة ومتشابكة من فروع المعرفة الإنسانية. وهو منهج حديث ومتطور فالبحوث الخاصة بالعلوم الاجتماعية لا غنى عنها اليوم لأي باحث جاد يسعى لتطوير العقل والمعارف الإنسانية في مستوياتها العليا.
(الثقافة والامبريالية) هو الكتاب الثاني، من حيث الأهمية والموضوع بعد كتاب (الاستشراق)، وإذا كان هذا الأخير خاصا بالعلاقة بين الاستشراق كمادة بحثية علمية ثقافية وبين الاستعمار كظاهرة غازية مهيمنة، فإن (الثقافة والامبريالية) أعم وأشمل. يتناول الامبريالية كامتداد طبيعي للتوسع الاستعماري الغربي وامتدادها على الرقعة الواسعة من الأرض وعلاقتها بالآخر غير الغرب. يحلل (د. ادوارد سعيد)، بتوسع، كيف أن الغرب الاستعماري المحتل، والغرب الامبريالي الممتد والمهيمن لم يغير علاقته ''كغرب متعالٍ متفوق'' مع ''الإنسان المستعمر الدوني''.
ورغم التطور الهائل في الفكر الإنساني وتوسيع الرقعة الجغرافية للامبريالية الغربية والتفاعل الطبيعي للثقافات، فإن الغرب الامبريالي كما الغرب الاستعماري فإن نظرة هذا الغرب للآخر غير الغربي لم تتغير كثيرا. فقد بقيت نظرة الاستعلاء والتفوق واحتقار الآخر الدوني في الشعوب المستعمرة سابقا والخاضعة للهيمنة الامبريالية لاحقا. فقد بقيت روح الهيمنة والتسلط.
وإذا كان المؤلف في (الاستشراق) يركز على العلاقة المباشرة والمترابطة بين العمل الاستشراقي والتوسع الاستعماري فإنه في (الامبريالية والثقافة) لا يقتصر تحليله على منطقة الشرق العربي الإسلامي وإنما يمتد إلى الشرق الآسيوي في القارة الهندية ـ الباكستانية وإلى القارة الإفريقية ومنطقة الكراييب في أمريكا الجنوبية، مستعرضا القهر والتميز العنصري الذي ألحقته الأنظمة الامبريالية الغربية التي امتد نفوذها إلى تلك الشعوب. وهنا لا يشير إلا نادرا إلى الاستشراق. ولكن يعتمد كليا بالتقريب على الكتاب الغربيين الكبار وعلى كتاب الرواية بالخصوص مثل كبلنغ ودكنز في بريطانيا وفلوبير واستندال وألبير كامو في فرنسا. وفي سياق الحديث عن هؤلاء وغيرهم من الكتاب لا يتحدث عن مواقفهم السياسية التي غالبا ما كانت مؤيدة للتوسع الغربي الاستعماري الامبريالي وتبنيهم لأهمية هذا التوسع بصفته رسالة تمدن وتحضر لشعوب دونية همجية. ويكشف من خلال شخصية (ألبير كامو) كيف أن هذا الكاتب، رغم الأفكار الإنسانية التقدمية، فإنه في النهاية انحاز للاستعمار الفرنسي ضد الثورة الجزائرية وأنكر حق الشعب الجزائري في الاستقلال...
*نقلا عن جريدة "الخبر" الجزائرية