طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الأحد 09 رمضان 1430هـ - 30 أغسطس 2009م

هل نسمح لقنبلة أن تصادر ثلاثة قرون من العلاقة بين الحاكم والرعية؟

 

علي سعد الموسى

هل كان استهداف – الإنسان – محمد بن نايف بن عبدالعزيز، استهدافاً لكل ما كان من الباب المفتوح بين الأسرة الحاكمة الكريمة وبين شرائح الشعب السعودي؟ هل كان من ضمن مقاصد هذه القنبلة الجسدية المتحركة أن تقول للحاكم السعودي إن مرونة الوصول إليه والتواصل معه كان خطاً لوجستياً أمنياً لم يجرؤ عليه من قبل حاكم لا في أعتى حصون الديموقراطية ولا على النقيض في أشد قلاع الديكتاتورية؟ أستأذنكم أولاً على اللغة الحمراء في عنوان المقال لأن الزمن، وبالبرهان القاطع، أثبت لنا أن الوصول إلى منزل – ابن سعود – أسهل في كثير من الحالات من الوصول إلى بيت الجار وأن الدخول إلى صالونه ومجلسه المفتوح أسهل حتى من الدخول إلى وليمة قريب تستحي أحياناً أن تذهب إليها وأنت الذي لم تتلق الدعوة. سيظل باب الحاكم – بلا باب – لأن الطبع العربي الأصيل يغلب التطبع ومرة أخرى أستأذنكم بالدخول إلى هذه القصص السعودية الخالصة لا لكي نقرأ في – الداخل – ما نعيش وما ندرك، بل كي يعرف – الآخر – طبيعة النواميس الاجتماعية السعودية في العلاقة بين الحاكم والرعية، ثم إنني أستأذن بعض أولئك – الكبار – الذين ائتمنوني على هذه القصص لأن المناسبة تستدعي أن نلقي الأضواء على الزوايا السعودية البيضاء.

ولمن يقرؤون التاريخ، ومرة ثانية بالبرهان والحجة، فإن قنبلة مساء الخميس الغادرة كانت أول قنبلة، بل أول حصاة صغيرة، يحملها فرد من الشعب إلى مجلس أمير من أسرتنا الحاكمة في تاريخ أسرة وشعب يمتد إلى أكثر من 300 عام منذ أيام إمامنا الكبير محمد بن سعود إلى أيام قائدنا الحاضر عبدالله بن عبدالعزيز، هذه القنبلة الشاردة اليتيمة لن تلغي على الإطلاق ثوابت التاريخ ورواسخ الولاء وأعمدة البيت الراسخة.

والدنا عبدالله بن عبدالعزيز نزل ذات مساء حاشد في ساحة البحار بمدينة أبها ليرقص رقصة السيف بين مئة ألف مواطن وكلهم بالخناجر والسيوف والبنادق وكانت أعظم الصور هي تلك وهو يطلب من حرسه الخاص إخلاء السبيل وكأنه يقول: شعبي هم حرسي الملكي وبرهاني لذلك هو التاريخ الذي لم يخطئ مرة واحدة خلال 300 عام وكأنني به هذا المساء مع أهله من أسرته الكريمة واثقاً أن قنبلة غادرة شاردة لن تحرق هذا المبدأ. مبدأ العلاقة البيضاء ما بين حاكم وبين شعب.

ذات يوم ليس ببعيد شاهدت بعيني سلمان بن عبدالعزيز فارساً مترجلاً في تضاريس متنزه – الحبلة – العسيري وقد اختار أن يجلس وحده بين أهل المكان وهم الذين تمنطقوا زينة الرجال فيما يعتقدون أنه من مروءة كامل السلاح: لم يجرؤ أحد أمام سلمان بن عبدالعزيز أن يستأذن بتفتيش هذا أو فرز ذاك.

في قصة أخرى أتذكر كم – تآمرنا – وتحايلنا على رمز سياسي وفكري مثل خالد الفيصل بن عبدالعزيز كي يقبل قبل سنوات قليلة كتيبة الأمن الخاص التي أمرت بها وزارة الداخلية فكان حاسماً صارماً في البقاء مع حرسه القديم ورغم شفقتي عليه وعلى كل الرموز من أسرتنا الحاكمة إلا أنني أكثر ثقة أن حادثة يتيمة شاردة لن تستطيع أن تلغي كل إرثنا الطويل الجميل ولن تستطيع بضع ثوان شاردة لصوت قنبلة أن تصادر باب السلام والإسلام المفتوح على مصراعيه لأكثر من 300 عام بين الأسرتين الكبرى والصغرى. بين الشعب والحاكم. جربوا أن تذهبوا هذا المساء لبيت حاكم المنطقة وأميرها كي تكتشفوا أن الدخول إلى صوالينه ومجالسه أسهل حتى من إجراءات الاحتراز أمام بوابة فندق.

ومثل أي منكم سأذهب غداً مثلما ذهبت فيما مضى إلى منزل أميرنا هنا، فيصل بن خالد بن عبدالعزيز وفي المرة القادمة سأذهب مستمتعاً بهذا الإرث الفريد وفي ذهني أنني أذهب مثل كل الذي ذهبت: إلى قصور بلا أبواب وإلى الأسرة المظلة التي بقيت مع الجميع على ذات المسافة من طول الخيط على طول الخط.
أكتب اليوم كي أسجل للتاريخ أول واقعة في 300 عام لنشاز من فرد واحد من هذا الشعب تجاه فرد من كل التاريخ الطويل لهذه الأسرة الكريمة الحاكمة، وربما كان القدر الجميل أن نسجل – نقطة رمادية – كي يلتفت العالم بأسره إلى القماش الأبيض الناصع في قصة مرت لـ300 عام دون أن يلتفت لدلالاتها المدهشة أحد من قبل.

* نقلاً عن "الوطن" السعودية

عودة للأعلى