د.
أحمد يوسف القرعي
مع العد التنازلي لشهور وأسابيع وأيام عام القدس(2009) عاصمة للثقافة العربية, يبدو واضحا أن القدس لم تحظ بما كان مخططا أو متوقعا له مع بدء العام( منذ أول يناير).. ويكفي الإشارة إلي أن أحداث غزة المريرة( خلال ديسمبر2008, يناير2009) وما بعدها قد تسببت في تأجيل احتفالية القدس طوال الأشهر الثلاثة الأولي من عام2009. وكان من الممكن الجمع بين ماكان يحدث في غزة والقدس معا من منطلق انهما تشكلان مع الضفة الغربية أرض الدولة الفلسطينية التاريخية, إلا أن ما حدث ولايزال يحدث علي أرض القدس أخطر كثيرا علي عروبة المدينة حيث يجري استكمال مخطط تهويد القدس ولايزال يحتل أولوية مطلقة في الأجندة الاسرائيلية.
وأكثر من هذا فإن هناك تعبئة إعلامية اسرائيلية تروج لأكاذيب الباحثين والمؤرخين والجغرافيين والإعلاميين الاسرائيليين بشأن القدس. ويكفي الإشارة هنا إلي واقعتين خطيرتين في سياق هذا المخطط الاسرائيلي.
والواقعة الأولي تتعلق بالندوة التي نظمها الكنيست الاسرائيلي( في29 يوليو الماضي) تحت عنوان( تاريخ السيادة اليهودية علي القدس, وشارك في الندوة عشرات من أعضاء الكنيست ومن الأكاديميين والباحثين الاسرائيليين. وألقي الباحث الاسرائيلي مردخاي كيدار( أستاذ التاريخ الإسلامي بإحدي الجامعات الاسرائيلية) محاضرة تحت عنوان( مكانة القدس في الإسلام) وادعي الباحث الإسرائيلي( فيما ادعي من أكاذيب أخري) أن القدس ليست لها أهمية تذكر في الدين الإسلامي, كما ادعي ان المسجد الأقصي المذكور في القرآن الكريم هو مجرد مسجد صغير يقع في شبه الجزيرة العربية وتحديدا في قرية الجعرانة علي الطريق بين مكة والطائف,
وكان الرسول صلي الله عليه وسلم يصلي في أحد مسجدين بهذه القرية الأول هو المسجد الأدني والثاني هو المسجد الأقصي( وفقا لموقعهما الجغرافي) وادعي الباحث الإسرائيلي أن الصحابة الذين عاشوا في عصر النبي محمد صلي الله عليه وسلم قد فهموا هذا المعني الجغرافي الوارد في الآية الأولي من سورة الإسراء, وواصل الباحث الإسرائيلي مغالطاته الكاذبة بالادعاء بأن واقعة الإسراء والمعراج حدثت في مسجد الأقصي بالجعرانة وليست بالقد ( راجع المزيد من تلك الادعاءات في تقرير صحيفة المصري اليوم بتاريخ30 يوليو الماضي).
والتساؤل المطروح ما هو موقف المؤرخين والجغرافيين والإعلاميين العرب للرد علي تلك الادعاءات والمزاعم والأكاذيب التي يروجها الباحث الاسرائيلي مردخاي كيدار, وأغلب الظن ان هناك العديد من أقرانه يروجون بمختلف اللغات مثل تلك الأكاذيب, ولعلنا نتذكر مبادرة أجدادنا المقدسيين والعرب للتصدي لمزاعم الأقلية اليهودية في القدس في بداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر عندما ادعوا ملكية حائط البراق, وتصدي أجدادنا بالوقوف العربي والاسلامي الجماعي, وأعدوا وثيقة الدفاع عن حائط البراق, وأقرت لجنة التحكيم الأجنبية تلك الوثيقة وما أحوجنا الآن إلي وثيقة دفاع عربية إسلامية جديدة للدفاع عن القدس كلية.
أما الواقعة الأخري فترتبط تماما بالواقعة السابقة حيث أصدرت جماعة أمناء جبل الهيكل اليهودي( في يوليو الماضي) بيانات في القدس, وعلي مواقع اسرائيلية مختلفة علي الانترنت حثت فيها اليهود في كل أنحاء اسرائيل علي المشاركة فيما سمته إحياء ذكري خراب الهيكل بالصلاة علي مدي الساعة في الحرم القدسي الشريف الذي تطلق علي هذه الجماعة اسم جبل الهيكل. وواكب هذا النداء اليهودي الجماعي ممارسات صهيونية علي أرض الواقع في إطار مخطط تهويد حي سلوان, ويعد هذا المخطط حجر الزاوية في مشروع استيطاني كبير يهدف الي السيطرة علي الأراضي الفلسطينية المحيطة بمدينة القدس القديمة وعزلها عن النسيج الحضري في القدس الشرقية, ووصلها بالتجمعات الاستيطانية اليهودية في شمال شرق المدينة القديمة. وخطورة هذا المخطط ان حي سلوان هو الحي القريب من الحرم القدسي الشريف المحاذي لحائط البراق, وقد أوكلت اسرائيل مهمة إدارة جزء من حي سلوان إلي منظمة العاد الاستيطانية المتطرفة التي تنشط من أجل تعزيز الوجود اليهودي في الأحياء العربية في المدينة.
وجاء التحذير الأمريكي من خطورة البناء في هذه المنطقة, وطلب من رئيس وزراء اسرائيل عدم فرض حقائق علي الأرض قبل التوصل إلي تسوية سياسية.
هكذا تتعدد مخططات تهويد القدس وتتزايد خطورة ما يجري علي أرضها الآن وأكثر من أي وقت مضي, بينما نحن كأمة نمارس احتفالات تقليدية بالقدس عاصمة للثقافة العربية في إطار فهم ناقص ومبتور, انها مجرد احتفالات أجهزة ثقافية فحسب, وتروج لها أجهزة إعلامية بين حين وآخر, بينما الحقيقة ان المسئولية تقع علي جموع المثقفين والمؤرخين والجغرافيين والقانونيين والعلماء.. الخ.
وما أحوج القدس إلي عطاء الجميع قبل انقضاء شهور العام2009, وتجديد العطاء واستمراره حتي تحرير القدس.. وليكن هذا موضوع مقال قادم.
* نقلا عن "الأهرام" المصرية |
