طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الخميس 20 رمضان 1430هـ - 10 سبتمبر 2009م

ماذا تبقي من احتفالية القدس؟‏

 

د.  أحمد يوسف القرعي

‏بينما نحن كأمة نقيم احتفالات تقليدية وشكلية ومحلية بشأن القدس عاصمة للثقافة العربية لعام‏2009,‏ فإن المدينة المقدسة تخضع الآن وأكثر من أي وقت مضي لهجمة شرسة غير مسبوقة في محاولة لعزل القدس تماما عن محيطها العربي‏.‏ ويواكب تلك الهجمة الاستيطانية حملة صهيونية مسعورة لتضليل الرأي العام العالمي بالتشكيك في ثوابت عروبة ومقدسية القدس‏,‏ وترويج مغالطات كاذبة عرضنا في مقال الخميس الماضي واقعتين منها هما واقعة أكذوبة المؤرخ الاسرائيلي مردخاي كيدار بالتشكيك في معجزة الإسراء والمعراج‏,‏ والادعاء بأن الواقعة لم تحدث فيما بين المسجد الحرام والمسجد الأقصي بالقدس‏,‏ وإنما وقعت فيما بين مسجدين آخرين بقرية الجعرانة فيما بين مكة والطائف‏!!‏ وترتبط الواقعة الأخري بالواقعة السابقة حيث تطلق اسرائيل علي الحرم القدسي الشريف اسم جبل الهيكل‏,‏ وتدعو اليهود إلي الصلاة فيه لإحياء ذكري خراب الهيكل‏.‏

والتساؤل المطروح ما هو موقف المؤرخين والجغرافيين والباحثين والأثريين والإعلاميين العرب للرد علي مثل تلك الادعاءات والمزاعم والأكاذيب اليهودية الصهيونية‏,‏ والتي يتم ترويجها بمختلف اللغات علي المستوي الدولي‏.‏

وما أحوج القدس ـ وأكثر من أي وقت مضي ـ إلي عطاء محافل الفكر والعلم والتعليم والثقافة والإعلام العربية للرد علي مثل تلك الأكاذيب بالحقائق وبمختلف اللغات‏,‏ ولعل هذا يتقدم مراسم الاحتفال التقليدية بالقدس عاصمة للثقافة العربية‏,‏ وما يعزز العطاء العربي في هذا الصدد وجود شهادات ورؤي ووجهات نظر صائبة أدلي بها مؤرخون وجغرافيون وقانونيون ومثقفون وإعلاميون أجانب‏,‏ ومن جنسيات مختلفة تؤازر عروبة ومقدسية القدس‏,‏ ويمكن لكل من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي تولي الإشراف الكامل علي مشروع توثيق عروبة ومقدسية القدس‏,‏ وفي مقدمة المشروع توثيق ملكية الأرض الفلسطينية منذ حرب‏1948‏ وما بعدها بالاستعانة بالأرشيف العثماني والأرشيف البريطاني بصفة خاصة لتعويض سجلات الملكية التي نهبتها اسرائيل وصادرتها‏,‏ ومنها وثائق الأوقاف الاسلامية لعقارات وأحياء كاملة في القدس‏.‏

ومثل تلك المسئولية العربية الاسلامية يمكن تحقيقها علي أرض الواقع بعمل جماعي بشأن عروبة ومقدسية القدس‏,‏ ولا عجب فقد نجحت الادارة المصرية لقطاع غزة بالتعاون مع فريق عمل فلسطيني في إعداد سجلات جديدة لجميع أراضي مدن وقري وقطاع غزة‏,‏ بعد أن نهبت اسرائيل وثائق السجل العيني لقطاع غزة أثناء العدوان الثلاثي علي مصر واحتلال غزة حيث واصلت اسرائيل احتلالها غزة في مارس‏1957‏ حتي استكملت عملية نهب وثائق السجل العيني للقطاع‏.‏

هكذا تكون نماذج المشاركة في احتفالية القدس بعطاءات متعددة ومتنوعة ومتكاملة من قبل المؤرخين والمتخصصين في مجالات نظام السجل العيني وملكية العقارات‏...‏ إلخ‏.‏

وثمة مبادرات من قبل هؤلاء المتخصصين نذكر علي سبيل المثال كتاب الاستاذ الدكتور أمين مسعود أبو بكر تحت عنوان‏[‏ ملكية الأراضي في متصرفية القدس‏](1858‏ ـ‏1918)‏ من مطبوعات مؤسسة عبد الحميد شومان‏(‏ عمان ـ عام‏1996)‏ واعتمدت الدراسة علي مجموعة من سجلات الأوقاف‏,‏ العثمانية التي حفظت في مديرية عموم الأوقاف‏,‏ ويعود أقدمها إلي عام‏1845,‏ وهو تاريخ تشكيل مديرية الأوقاف في مدينة القدس والوكالات المتفرعة منها في مراكز المقاطعات‏.‏

هذا مجرد نموذج من نماذج أخري عديدة ومتنوعة تفرغ أصحابها من المفكرين والعلماء والمهنيين لأداء مسئولية ما تسهم في تعزيز شرعية الملكية العربية للقدس قبل قدوم الاستعمار البريطاني‏,‏ والاحتلال الاسرائيلي‏,‏ ولقد أدركت اسرائيل منذ وقت مبكر خطورة هذا علي احتلالها للقدس فسارعت منذ السنوات الأولي للاحتلال بالسطو علي وثائق القدس التاريخية‏,‏ حيث تخوفت أن تلجأ الدول العربية إلي التحكيم الدولي لحسم النزاع علي أراضي القدس‏,‏ ونذكر علي سبيل المثال اقتحام اسرائيل للمحكمة الشرعية في القدس عام‏1991‏ وسرقة وثائق تتعلق بالاملاك الوقفية وشهادات تؤكد عروبة وإسلامية هذه المدينة كخطوة مكملة لخطوات سابقة لم تتورع اسرائيل علي القيام بها‏.‏ وساعد اسرائيل علي هذا أن وثائق القدس لم تحظ كثيرا بالاهتمام العربي‏,‏ فهي مبعثرة في كل مكان بالمدينة المقدسة وخارجها‏.‏

ولا عجب أن يعثر أستاذ جامعي عربي علي‏883‏ وثيقة من وثائق الحرم القدسي‏,‏ الشريف في العصر المملوكي وذلك داخل درجين فقط من أدراج إحدي خزائن المتحف الاسلامي القدسي وذلك عام‏1974‏ وتم نشر هذه الوثائق عام‏1985‏ في حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت‏,‏ وأخطر الأمور أن تكون اسرائيل قد استلت علي وثائق كثيرة من هذا النوع قبل ذلك ولم يكشف أمرها بعد‏.‏

والتساؤل المطروح ـ ماذا لو أقدم عدد من العواصم العربية والإسلامية علي انشاء مراكز دراسات خاصة بالمدينة لا تكتفي بتحقيق التراث ونشر الاصدارات الجديدة بل ومراسلة مراكز الدراسات الأوروبية والأمريكية‏,‏ والإشراف علي عقد المزيد من الندوات والموائد المستديرة في حضور عربي عالمي لقادة الفكر والإعلام في عالمنا المعاصر‏,‏ ولعل هذا يكون نموذجا من نماذج الاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية‏.‏

*نقلا عن "الأهرام" المصرية

عودة للأعلى