د.
أحمد يوسف القرعي
بينما نحن كأمة نقيم احتفالات تقليدية وشكلية ومحلية بشأن القدس عاصمة للثقافة العربية لعام2009, فإن المدينة المقدسة تخضع الآن وأكثر من أي وقت مضي لهجمة شرسة غير مسبوقة في محاولة لعزل القدس تماما عن محيطها العربي. ويواكب تلك الهجمة الاستيطانية حملة صهيونية مسعورة لتضليل الرأي العام العالمي بالتشكيك في ثوابت عروبة ومقدسية القدس, وترويج مغالطات كاذبة عرضنا في مقال الخميس الماضي واقعتين منها هما واقعة أكذوبة المؤرخ الاسرائيلي مردخاي كيدار بالتشكيك في معجزة الإسراء والمعراج, والادعاء بأن الواقعة لم تحدث فيما بين المسجد الحرام والمسجد الأقصي بالقدس, وإنما وقعت فيما بين مسجدين آخرين بقرية الجعرانة فيما بين مكة والطائف!! وترتبط الواقعة الأخري بالواقعة السابقة حيث تطلق اسرائيل علي الحرم القدسي الشريف اسم جبل الهيكل, وتدعو اليهود إلي الصلاة فيه لإحياء ذكري خراب الهيكل.
والتساؤل المطروح ما هو موقف المؤرخين والجغرافيين والباحثين والأثريين والإعلاميين العرب للرد علي مثل تلك الادعاءات والمزاعم والأكاذيب اليهودية الصهيونية, والتي يتم ترويجها بمختلف اللغات علي المستوي الدولي.
وما أحوج القدس ـ وأكثر من أي وقت مضي ـ إلي عطاء محافل الفكر والعلم والتعليم والثقافة والإعلام العربية للرد علي مثل تلك الأكاذيب بالحقائق وبمختلف اللغات, ولعل هذا يتقدم مراسم الاحتفال التقليدية بالقدس عاصمة للثقافة العربية, وما يعزز العطاء العربي في هذا الصدد وجود شهادات ورؤي ووجهات نظر صائبة أدلي بها مؤرخون وجغرافيون وقانونيون ومثقفون وإعلاميون أجانب, ومن جنسيات مختلفة تؤازر عروبة ومقدسية القدس, ويمكن لكل من الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي تولي الإشراف الكامل علي مشروع توثيق عروبة ومقدسية القدس, وفي مقدمة المشروع توثيق ملكية الأرض الفلسطينية منذ حرب1948 وما بعدها بالاستعانة بالأرشيف العثماني والأرشيف البريطاني بصفة خاصة لتعويض سجلات الملكية التي نهبتها اسرائيل وصادرتها, ومنها وثائق الأوقاف الاسلامية لعقارات وأحياء كاملة في القدس.
ومثل تلك المسئولية العربية الاسلامية يمكن تحقيقها علي أرض الواقع بعمل جماعي بشأن عروبة ومقدسية القدس, ولا عجب فقد نجحت الادارة المصرية لقطاع غزة بالتعاون مع فريق عمل فلسطيني في إعداد سجلات جديدة لجميع أراضي مدن وقري وقطاع غزة, بعد أن نهبت اسرائيل وثائق السجل العيني لقطاع غزة أثناء العدوان الثلاثي علي مصر واحتلال غزة حيث واصلت اسرائيل احتلالها غزة في مارس1957 حتي استكملت عملية نهب وثائق السجل العيني للقطاع.
هكذا تكون نماذج المشاركة في احتفالية القدس بعطاءات متعددة ومتنوعة ومتكاملة من قبل المؤرخين والمتخصصين في مجالات نظام السجل العيني وملكية العقارات... إلخ.
وثمة مبادرات من قبل هؤلاء المتخصصين نذكر علي سبيل المثال كتاب الاستاذ الدكتور أمين مسعود أبو بكر تحت عنوان[ ملكية الأراضي في متصرفية القدس](1858 ـ1918) من مطبوعات مؤسسة عبد الحميد شومان( عمان ـ عام1996) واعتمدت الدراسة علي مجموعة من سجلات الأوقاف, العثمانية التي حفظت في مديرية عموم الأوقاف, ويعود أقدمها إلي عام1845, وهو تاريخ تشكيل مديرية الأوقاف في مدينة القدس والوكالات المتفرعة منها في مراكز المقاطعات.
هذا مجرد نموذج من نماذج أخري عديدة ومتنوعة تفرغ أصحابها من المفكرين والعلماء والمهنيين لأداء مسئولية ما تسهم في تعزيز شرعية الملكية العربية للقدس قبل قدوم الاستعمار البريطاني, والاحتلال الاسرائيلي, ولقد أدركت اسرائيل منذ وقت مبكر خطورة هذا علي احتلالها للقدس فسارعت منذ السنوات الأولي للاحتلال بالسطو علي وثائق القدس التاريخية, حيث تخوفت أن تلجأ الدول العربية إلي التحكيم الدولي لحسم النزاع علي أراضي القدس, ونذكر علي سبيل المثال اقتحام اسرائيل للمحكمة الشرعية في القدس عام1991 وسرقة وثائق تتعلق بالاملاك الوقفية وشهادات تؤكد عروبة وإسلامية هذه المدينة كخطوة مكملة لخطوات سابقة لم تتورع اسرائيل علي القيام بها. وساعد اسرائيل علي هذا أن وثائق القدس لم تحظ كثيرا بالاهتمام العربي, فهي مبعثرة في كل مكان بالمدينة المقدسة وخارجها.
ولا عجب أن يعثر أستاذ جامعي عربي علي883 وثيقة من وثائق الحرم القدسي, الشريف في العصر المملوكي وذلك داخل درجين فقط من أدراج إحدي خزائن المتحف الاسلامي القدسي وذلك عام1974 وتم نشر هذه الوثائق عام1985 في حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت, وأخطر الأمور أن تكون اسرائيل قد استلت علي وثائق كثيرة من هذا النوع قبل ذلك ولم يكشف أمرها بعد.
والتساؤل المطروح ـ ماذا لو أقدم عدد من العواصم العربية والإسلامية علي انشاء مراكز دراسات خاصة بالمدينة لا تكتفي بتحقيق التراث ونشر الاصدارات الجديدة بل ومراسلة مراكز الدراسات الأوروبية والأمريكية, والإشراف علي عقد المزيد من الندوات والموائد المستديرة في حضور عربي عالمي لقادة الفكر والإعلام في عالمنا المعاصر, ولعل هذا يكون نموذجا من نماذج الاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية.
*نقلا عن "الأهرام" المصرية |
