طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الخميس 20 رمضان 1430هـ - 10 سبتمبر 2009م

رمضان 2009: أميركا والإسلام

 

د.  جيمس زغبي

تشرفت بأن دُعيت لإلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني الذي أقامه «البنتاغون» هذه السنة، وذلك إلى جانب فرح بانديث، المندوبة الخاصة لوزارة الخارجية إلى المسلمين في العالم، وداليا مجاهد، من مؤسسة «غالوب». ومن بين المدعوين كان هناك أكثر من 125 مسلماً أميركياً، وأعضاء من كل فرع من فروع الجيش الأميركي، وضيوفهم من البيت الأبيض والكونغرس ووكالات حكومية أخرى. وشكل اللقاء مناسبة للتفكير في التغيرات التي تحدث في أوساط المسلمين الأميركيين وفي عـلاقة الولايات المتحدة بالإسلام.

وأتذكر الآن أنني عندما زرتُ واشنطن لأول مرة قبل أكثر من ثلاثين عاماً، لم تكن ثمة حفلات إفطار أو أي اعتراف رسمي برمضان أو بالأعياد والمناسبات الإسلامية. وأتذكر أنني ذهبت إلى البيت الأبيض في عهد الرئيس ريغان لاقتراح رسالة رئاسية بمناسبة العيد وطُلب مني أن أكتبها. وبعد ذلك، كان عليَّ أن أذكّرهم بها كل عام. وسرعان ما توسعت العملية وتمأسست خلال سنوات كلينتون، ثم جاء بوش الابن وأضاف تقليد إقامة مأدبة إفطار، حرص على إقامتها كل عام خلال فترته الرئاسية. واليوم، هناك مآدب إفطار عديدة عبر كل هذه المدينة، في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس ووكالة الأمن القومي وغيرها.

ولعل أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذا التغيير، وفي الاعتراف المتــزايد الذي يُمـنح لرمضان، هو حضور وحيوية الجالية المسلمة المتزايـدة. فهناك آلاف المسلمين الذين يعملون في الجيش الأميركي، والمئات الذين يعملون في كل فرع ووكالة من الحكومة الأميركية. والواقع أن الأمر لا يتعلق فقط بانخراط الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، بل هو ذو صلة أيضاً بحقيقة أن المسلمين الأميركيين لم يعـودوا مخفيين أو منسيين، حيث بات وجودههم وتفانيهم في العمل ومساهماتهم محل اعتراف، وبات دينهم محل تقدير. صحيح أن ذلك يمثل تكريماً للمسلمين الأميركيين، ولكنه يمثل أيضاً تكريماً لقدرة أميركا على النمو والتغير.

فمن نواحٍ كثيرة، تعد أميركا بلداً فريداً لأن أحد أهم ميزاتها هو انفتاحها والطابع الاستيعابي لهويتها الوطنية. وعلى رغم مواقف بعض المتعصبين وتصرفاتهم، إلا أنه ليس هناك دين واحد، أو إثنية واحدة، أو ثقافة واحدة، تحددنا وتميزنا كأميركيين. ويمكن القول إن لدى أميركا سحراً خاصاً لأنها تستطيع تغيير الناس ونفسها على نحو لافت. فباكتسابك الجنسية الأميركية، فإنك تحصل على أكثر من مجرد جواز سفر وحق التصـويت: إنك تصبح أميركياً. وهذا ليس كل شيء، لأن أميركا، بالتوازي مع ذلك، تتغير أيضاً. فبينما تأتي كل موجة جديدة من المهاجرين إلى سواحلنا ويصبح أفرادها أميركيين، فإن طابع البلاد وتعريفها وثقافتها تتغير. انظر مثلا إلى طعامنا، واستمع إلى موسيقانا، وتأمـل أسلوبنا، ففي كل واحد من هذه الأشياء بصمات الأشخاص المتنوعين الذين باتوا يشكلون الطابع الغني والمتنوع لأميركا اليوم.

قبل أربع وعشرين سنة، دُعيت إلى ديربورن بولاية ميشيغان، حيث كان المرشح الأوفر حظاً للفوز في انتخابات ذلك العام لرئاسة مجلس المدينة قد أرسل للتو رسالة إلى كل عائلة بالمدينة. وعلى الصفحة الأولى كُتبت الكلمتان التاليتان: مشكلة العرب، وقال إنه يقصد بهما الخطر الذي يطرحه التدفق الكبير للمهاجرين العرب على المدينة، والذين لا يشاطروننا «نمط عيشنا». غير أنه بينما أخذت تلك الجالية تكبر وتزدهر وتتغير، تغيرت المدينة وتغير العمدة أيضاً. وبعد سنوات، ذهبتُ إلى ديربورن لأستلم من العمدة نفسه، «المسبحة» الرسمية لمدينة ديربورن. وحرص العمدة على أن يفتتح المراسيم بتحية الحضور باللغة العربية، واستشهد بآيات من القرآن الكريم، وتحدث عن إنجازات ومساهمات الأميركيين العـرب في مدينته (تجدر الإشارة هنا إلى أن خمسة من المرشحين الأربعة عشر لانتخابات ديربورن هذا العام هم أميركيون عرب!).
إن أميركا تكون في أفضل أحوالها حين تنمو وتتعلم وتتغير وتصبح أفضل وأكثر تنوعاً.

* نقلا عن "السفير" اللبنانية

عودة للأعلى