** فوجئت وأنا أرقد بأحد مستشفيات (مايو كلينك) بولاية مينسوتا الأمريكية الشهر الماضي بسيدة في الثمانين من عمرها..تدخل علي الغرفة..وتعرض علي خدماتها الخاصة بالعلاج الطبيعي..وكنت اعتقد أنها إحدى الممرضات العاملات بالمستشفى وأنها تقوم بهذا العمل كجزء من مسؤوليتها الوظيفية..
** وحين انتهت من تلك المهمة معي..
** عرضت بأن تقوم بنفس الخدمة لأحد أبنائي المرافقين لي بالمستشفى..
** السيدة المذكورة كانت تقوم بتلك المهمة بسعادة بالغة..وباهتمام لا يوصف..وبمهنية عالية لم أشهدها من قبل..
** ولم أجد إزاء ذلك كله أفضل من أن أضع يدي في جيبي..واخرج منه ، مئة دولار..وأقدمه لها تعبيراً عن الامتنان..والإعجاب بما تقوم به من عمل في هذه السن المتقدمة..وبهذه المهنية العالية..
** لكن السيدة الفاضلة فاجأتني بالرفض القاطع لقبول المبلغ وقالت بكل تهذيب..وبابتسامة (وقورة) و(هادئة) و(حنونة)..
** لقد جرحتني يا سيدي مرتين:
** أزعجني هذا الكلام كثيراً وضاعف حيرتي..
** لكن انزعاجي وحيرتي تلاشيا وأنا أسمع عباراتها تنطلق بصوت (متهدج) تغلب عليه (الغُصة) وتسبقه بعض قطرات الدمع من عينيها اللامعتين وهي تقول:
** لقد جئت إليك..إلى هذا المستشفى (كمتطوعة) وأنا أشكر إدارة المستشفى على أن أتاحت لي الفرصة أن أتبرع بهذا الجهد لأنال الأجر عليه من السماء وليس من البشر..
** وواصلت حديثها قائلة: " وحتى لو كنت عاملة في هذا المستشفى فإن ما قمت به هو جزء من مسؤولية وظيفية لا أستحق عليها أي مقابل" ثم غادرت الغرفة ولم أرها بعد ذلك..
** وعندها خالطني شعور مزدوج..
** شعور بالإعجاب بمجتمع يعتنق ثقافة التطوع بمثل هذه الصورة الجميلة..وفي هذه السن المتقدمة..وبمثل هذا المستوى الأخلاقي الرفيع الذي جسدته هذه السيدة العظيمة..
** وشعور بالخجل من نفسي..لأنني أخطأت فهم طبيعة الإنسان الأمريكي حين عاملته بثقافتي العربية.. وبدوافعي الخاصة بتقدير الجهد المتميز بالطريقة التي اعتدنا عليها..
** فالإنسان الأمريكي ينظر إلى (العطية) أو (الهبة) بمنظار سلبي..حيث يجد فيها حطاً من كرامته..وإساءة إليه وخطأ بحقه لا يمكن أن يغتفر..
** وهكذا كانت الحال مع هذه العجوز..المتطوعة بسمو..
** وكم تمنيت – ونحن المجتمع المسلم - أن يعتنق كل مواطن فينا هذه الثقافة..ثقافة التطوع..وثقافة الكبرياء الوظيفية وتحقير (البخشيش).
***
ضمير مستتر:
** (من تسمُ روحه..ترتفعْ درجته ومكانته عند الكل).
* نقلا عن "الرياض" السعودية