الأربعاء 06 رجب 1432هـ - 08 يونيو2011م
 
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الثلاثاء 25 ذو القعدة 1431هـ - 02 نوفمبر 2010م KSA 20:46 - GMT 17:46

للمرة الألف‏..‏ شروط التسوية لم تنضج بعد

الأربعاء 26 رمضان 1430هـ - 16 سبتمبر 2009م
حسن أبو طالب
حسن أبو طالب

من فرط التراجعات السابقة والجمود السائد في عملية التسوية السياسية‏,‏ يكون علينا ألا نفرط في التفاؤل مما يجري الآن‏,‏ وقوامه تحركات امريكية وعربية وأوروبية‏,‏ بهدف إحياء مفاوضات فلسطينية إسرائيلية ربما تؤدي إلي نتيجة في غضون عام أو عامين‏.‏ عدم الإفراط في التفاؤل يستدعي ببساطة متابعة دقيقة للأفكار المطروحة والتسريبات التي تعمد المصادر الإسرائيلية إلي إشاعتها‏,‏ كنوع من بالونات الاختبار وجس النبض للأطراف العربية‏,‏ فضلا عن نثر الشائعات لغرض إرباك المفاوض العربي والفلسطيني معا‏.‏

المهم ألا نقع ـ كعرب ـ في فخ التفاؤل أو في شرك اليأس‏,‏ فكلاهما يمثلان خطرا ينبغي تداركه قبل وقوعه‏.‏ وربما يتضح المعني أكثر في ضوء رصد عدد من المتغيرات المتشابكة علي النحو التالي‏:‏

ـ المتغير الأول يعني بحدود الفاعلية الأمريكية‏.‏ فالتحركات المكثفة ومحاولات جر الفلسطينيين لمفاوضات غير محددة مع الجانب الإسرائيلي تجري علي خلفية موقف أمريكي‏,‏ يبدي حرصا من حيث المبدأ علي حل القضية الفلسطينية وفقا لرؤية الدولتين‏,‏ ويتحرك في اتجاهات عدة‏,‏ ولكن دون أن يبلور بعد تصورا متكاملا أو خطة عمل واضحة المعالم وصولا إلي واقع الدولتين المتجاورتين المتعايشتين في سلام تعاقدي محدد المعالم‏.‏

وبرغم ما يبذله المبعوث الأمريكي جورج ميتشل من أجل تهيئة مناخ مناسب للعودة إلي المفاوضات المبتغاة‏,‏ فالواضح أن قضية وقف الاستيطان الاسرائيلي قد استحوذت حتي اللحظة علي الشق الأكبر من الجهد الأمريكي‏,‏ والواضح أيضا أنها لم تصل إلي صيغة يقبلها الطرفان الفلسطيني ـ وبجانبه الأطراف العربية ـ والإسرائيلي ـ تسهل العودة إلي مائدة المفاوضات‏.‏ الأمر الذي يوضح أن الضغط الأمريكي علي الحكومة الاسرائيلية ما زال في بدايته‏,‏ وأنه يراعي متغيرات كثيرة ذات صلة بالتوازنات الامريكية الداخلية نفسها وما فيها من ضغوط تمارسها الجماعات والمنظمات المؤيدة لإسرائيل‏,‏ ولو علي حساب المصالح الأمريكية العليا‏.‏ والمردود الذي تم التباحث حوله بين ميتشل ورئيس وزراء إسرائيل تقلص من تجميد كامل للاستيطان الاسرائيلي إلي تجميد جزئي‏,‏ ثم تجميد جزئي ومؤقت‏,‏ ثم إلي تجميد جزئي لفترة محدودة لا تزيد علي ستة أشهر‏,‏ وفي الوقت نفسه الحصول علي مقابل لإسرائيل يتمثل في إجراءات تطبيعية مع بعض الدول العربية التي تقبل ذلك تحت زعم أن إسرائيل يجب أن تحصل علي مقابل يشعرها بالثقة في السلام‏!.‏

وإذا كان الامر كذلك في مسألة واحدة من بين عشرات المسائل الأخري المتعلقة بالمفاوضات والتسوية وبناء الدولة الفلسطينية‏,‏ فكيف يمكن أن نتوقع من جهد ووقت ولقاءات بشأن الأبعاد الأخري للتسوية فلسطينيا وسوريا وعربيا؟

ـ المتغير الثاني يعني بحدود القوة الفلسطينية في رفض المراوغات الاسرائيلية وما يصاحبها أحيانا من ضغوط أمريكية علي المفاوض الفلسطيني‏.‏ وحتي اللحظة فقد أثبت الرئيس محمود عباس مدعوما بموقف عربي أنه قادر علي رفض مطلب العودة إلي المفاوضات قبل الوقف الكامل لكل الانشطة الاستيطانية الاسرائيلية‏.‏ غير أن هذا الرفض ـ وفي ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وتعثر المصالحة مع حركة حماس التي تسيطر علي قطاع غزة وترفض صيغة المفاوضات من حيث المبدأ مع إسرائيل ـ يواجه احتمالات التآكل المتدرج‏.‏

وفي ظني أن الاختبار الذي تتعرض له السلطة الآن بشأن إتمام لقاء ثلاثي يجمع بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونظيره الأمريكي أوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي نيتانياهو في نيويورك علي هامش اجتماعات الامم المتحدة فيما تبقي من سبتمبر الحالي‏,‏ هو اختبار حاسم لقدرة السلطة علي التمسك بموقف مبدئي تأمل أن يتحول لاحقا إلي مكسب حقيقي علي الأرض‏.‏ فالموقف الفلسطيني المعروف الذي تم تأكيده مرارا هو أن ألا لقاءات ولا مفاوضات إلا بعد التجميد الكامل لكل الأنشطة الاستيطانية الاسرائيلية‏,‏ في حين أن الجهود الأمريكية فشلت حتي اللحظة في التوصل إلي اتفاق مع إسرائيل حول تجميد الاستيطان بصورة ترضي الجانب الفلسطيني‏.‏ وبالقطع إذا استمر هذا الفشل الامريكي‏,‏ ولم يتم الاتفاق علي صيغة لوقف الاستيطان وربطها بمفاوضات جادة في مدي زمني محدد والتزام بتطبيق القرارات الدولية التي تقود إلي حل الدولتين لاحقا‏,‏ فإن أي لقاء بين الرئيس عباس ونيتانياهو سيكون خصما من الموقف السياسي للمفاوض الفلسطيني‏,‏ وسيكون لذلك مردوده المعنوي السلبي علي موقف السلطة وهي تسعي إلي مصالحة شاملة مع حماس وباقي الفصائل الفلسطينية‏.‏ ولكننا ندرك أن إدارة أوباما التي تستثمر

كثيرا في عملية السلام لن ترضي بأقل من لقاء ثلاثي‏,‏ وبما أنها لم تنجح في حمل حكومة نيتانياهو علي قبول تجميد الاستيطان‏,‏ فإنها ستمارس أقصي ضغط ممكن علي السلطة الفلسطينية لإتمام هذا اللقاء لأغراض دعائية ودبلوماسية قبل أن تكون أغراضا عملية تصب في مصلحة عملية التسوية ذاتها‏.‏ والأمر علي هذا النحو يشكل مأزقا للرئيس عباس‏,‏ والخروج منه بأقل الأضرار هو الهدف‏.‏ ولما كان من الصعوبة بمكان الضرب بعرض الحائط المطالب الأمريكية‏,‏ فالغالب أن لقاء ثلاثيا سيحدث دون أن يسفر عن اختراق حقيقي‏,‏ وتبقي بعدها محاولات لملمة النتائج السلبية‏.‏

ـ المتغير الثالث يعني بالقدرات العربية علي الصمود في مواجهة عمليات الالتفاف الأمريكية التي أخذت في الظهور‏.‏ ونعني بها تلك المطالب الموجهة للعالم العربي بأن يقدم علي تغيير رؤيته للتسوية‏,‏ فبدلا من أن تقام الدولة الفلسطينية أولا ويحدث بعدها التطبيع المنشود أمريكيا وإسرائيليا‏,‏ هناك مطالب‏,‏ تحت مسمي إجراءات بناء الثقة والحل المرحلي التدريجي‏,‏ لإقامة علاقات واتصالات بين إسرائيل والدول العربية بزعم ان ذلك سيؤدي إلي السلام ويقنع الاسرائيليين بأن العرب يقبلون بهم كجيران وجزء من الإقليم‏.‏

طبعا الإسرائيليون والامريكيون وكل العالم يدرك أن هذه ليست المرة الأولي التي يقال فيها مثل هذا الكلام الفارغ من أجل تغيير معادلات التسوية برمتها‏,‏ فبدلا من أن تنهي إسرائيل احتلالها للأرض الفلسطينية والعربية ثم تتطلع بعد ذلك إلي علاقات سلام مع العالم العربي‏,‏ فإنها تريد أن تحصل علي السلام والتطبيع والقبول دون أن تقدم أي شئ‏,‏ وفي أقصي تنازل منها أن تجمد الاستيطان جزئيا لمدة شهور قليلة وحسب‏,‏ وربما ترفع بعض الحواجز الأمنية في المناطق الفلسطينية لأيام قليلة ثم تعيدها بعد ذلك تحت أي حجة‏.‏

حتي اللحظة يتحرك العرب من منطلق المبادرة العربية للسلام‏,‏ ومنطلق أن الخطوات الجزئية لن تقدم حلا متكاملا‏,‏ وان التنازل في التطبيع نظير خطوات رمزية إسرائيلية فيه كل التنازل عن الحقوق العربية والفلسطينية‏,‏ وهو أمر مرفوض تماما‏,‏ وان الحدود المؤقتة والتلاعب في مجال الاستيطان هو غش فاضح‏.‏ وإذا ما استمر العرب علي هذا الموقف وبصورة جماعية والتزام قومي حقيقي‏,‏ فستفشل المراوغات الاسرائيلية والضغوط الامريكية التي مورست بالفعل علي أكثر من بلد عربي‏,‏ كما انه سيمنح بعض القوة السياسية للمفاوض الفلسطيني الذي يحتاج كل صنوف المساندة المباشرة وغير المباشرة‏.‏

ـ المتغير الرابع يعني بالمناورات الاسرائيلية المكشوفة التي لا تتوقف ولا تقدم جديدا‏,‏ وهدفها الرئيسي الالتفاف علي مستحقات عملية السلام‏,‏ والحصول علي مكاسب إضافية دون ثمن‏.‏ بيد أن هناك جديدا في الداخل الاسرائيلي‏,‏ لعله في بداياته الأولي‏,‏ يتعلق بتبلور تحرك شعبي يهدف إلي الضغط المعنوي علي الحكومة الإسرائيلية للتوجه نحو التفاوض الجاد‏,‏ وهو التحرك الذي يقوم به عدد من الشخصيات الإسرائيلية العسكرية سابقا والتي تنشط سياسيا الآن إلي جانب بعض أكاديميين وناشطين إسرائيليين يرفضون استمرار احتلال أراض فلسطينية‏,‏ ويقبلون بمبدأ أن إقامة دولة فلسطينية سيعزز سلام وأمن بلدهم ومجتمعهم‏,‏ وسيحد من نمو التيارات اليمينية المتشددة التي تهدد طبيعة الدولة العلمانية الديمقراطية التي يؤمنون بها‏.‏

المتغيرات الأربعة هي في حالة تفاعل وتشابك علي نحو فريد‏,‏ وكل منها حاسم في تحديد وجهة المتغيرات الأخري‏,‏ لكن يبقي الأهم هو قوة الصمود الفلسطيني بمعناه العام‏,‏ وليس فقط صمود السلطة لفترة من الزمن في مواجهة المناورات الاسرائيلية والضغوط الامريكية‏,‏ ومدخله الأول والأخير هو مصالحة شاملة ترعاها مصر وتعمل لها بكل جد وإخلاص قومي‏.‏ وثمة أمل أن تحمل الاسابيع المقبلة أخبارا طيبة‏,‏ تعيد للفلسطينيين وحدتهم وتماسكهم الذي يفتقدون إليه‏,‏ ويعد الملاذ الأخير لكل طموحاتهم المشروعة‏.‏

*نقلا عن "الأهرام" المصرية