هناك كتب لا أمل منها. أعود إليها دائماً وبحب، وأحرص أن تكون في مكان قريب معروف في مكتبتي أو على طاولتي، أو حتى إلى جانب سرير نومي، أمد إليها يدي كلما عن علي أن أعود إليها.
بين هذه الكتب السفر البديع للشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف الموسوم: “بلدي”، إنه كتاب نسيج ذاته، بذلك الحضور الطاغي للحكمة فيه بشكل غريب من التجلي، يجمع بين البساطة والعمق.
شيء ما يذكرني بأفغانستان حين قراءة رسول حمزاتوف يتحدث عن جبال داغستان: أهي القرابة الجغرافية التي تجعل من جبال أفغانستان امتداداً لتلك التي في داغستان وفي القوقاز كله، أم هو التاريخ المشترك الذي جعل من هذا القوس الجبلي الغامض مسرحاً لمعارك عبر التاريخ مع الغزاة.
حين كتب حمزاتوف كتابه لم تكن القوات الأمريكية قد دخلت أفغانستان بعد لمطاردة “القاعدة” و”طالبان”، ولكني أحسست أن الحكاية التالية فيه تصح على الوضع الناشئ هناك اليوم. تدور الحكاية حول ثلاثة صيادين عرفوا بوجود ذئب في الوادي غير بعيد عن القرية فقرروا قتله، حين طورد الذئب اندس في مغارة لينجو بنفسه، ولم يكن للمغارة سوى مدخل واحد، وكان ضيقاً بحيث لا ينفذ منه سوى الرأس، اختبأ الصيادون وراء صخرة ينتظرون خروج الذئب، لكنه لم يكن غبياً فظل قابعا فيه بكل هدوء معولا على نفاد صبرهم.
أدرك الملل أحد الصيادين فقرر أن يندس بأي شكل بالمغارة، اقترب منها ودس رأسه فيها، ظل زميلاه يراقبان مستغربين لماذا لا يحاول التقدم أو على الأقل سحب رأسه، وأخيرا ملا الانتظار فاقتربا منه فإذا هو دون رأس.
وأخذا يحزران: هل كان لزميلهما الصياد رأس قبل أن يندس في المغارة أم لا. قال أحدهما إنه كان لديه رأس، وهو أمر رفضه الثاني. حمل الصيادان الجسم إلى القرية وأخبرا أهلها بما جرى.
أحد الشيوخ قال: نظراً لأن الصياد اندس في المغارة قاصداً الذئب، فإنه لم يكن له رأس منذ أمد طويل، وربما منذ ولادته، وانطلقوا إلى زوجته يستوضحون الأمر، فردت عليهم: “من أين لي أن أعرف إن كان لزوجي رأس. كل ما أذكره هو انه كان يوصي كل سنة على قبعة جديدة”!
كل من ورطوا أنفسهم في رمال أفغانستان المتحركة كانوا بلا رؤوس.
نقلاً عن "الخليج" الإماراتية