أبرأ إلى الله في هذا اليوم الفضيل من رمي التهمة جزافاً على مشتبه لم تثبت بعد إدانته، حين أناقش قصة الخبر الجوال في أن أحدهم اختلس مليون ريال من تبرع قام عليه لإفطار صائم. قصته برمتها ليست محور حديثنا هذا الصباح، وإنما قصة التي وضعت بين يديه 700 ألف ريال من أجل هذا المشروع الخيري ثم عادت لتقول إنها اكتشفت أنه حول المبلغ لحسابه الخاص. هذا المبلغ الضخم من الصدقة أو الزكاة لا ينبئ إلا عن استنتاج وحيد: أن بيننا الآلاف من القادرين والموسرين الذين لا يجدون بين أيديهم المنافذ والطرق إلى الآلاف الأخرى المستحقين من الفقراء وذوي الحاجة ولذلك يلجأ هؤلاء إلى الأبواب المعلنة في الجمعيات المختلفة وإلى الإيداع في الحسابات البنكية لهذه الجمعيات. هنا في المثال، آنف الذكر، سيدة واحدة تتبرع بسبعمئة ألف لمشروع إفطار صائم في مسجد واحد، وهذا يعني أنها تكفلت خلال هذا الشهر المبارك بإفطار سبعين ألف صائم، وهذا يعني أن ذات المسجد الذي تكفل بالمشروع سيقوم على إفطار ما يزيد عن 2300 صائم في مغرب اليوم الواحد. وبالحسابات المكانية والهندسية واللوجستية فإن المهمة في بالغ الاستحالة فكيف لمسجد يتسع في أقصى الظروف لـ500 مصل أن يتسع لما يقرب من سبعة أضعاف هذا العدد، إفطاراً في ظرف ربع ساعة. وحتى بهذه المقاربة، فنحن نتحدث عن متبرع واحد لا عن الآخرين الكثر الذين تبرعوا لذات المشروع في ذات المكان وبالمقاربة أيضاً عليكم حسبة بقية المنافذ. وبينما، وعلى مسؤوليتي، مرَّ هذا الشهر الكريم على آلاف الأسر الفقيرة دون ريال من زكاة أو صدقة، فمازال بيننا من يغمض عينيه تماماً عن أن يتلمس أقصر الطرق إلى بيوت هؤلاء ويغامر بأن يرمي زكاته أو صدقته إلى المنافذ التي لا يضمن معها أبدا نهاية سليمة. هنا، وبيننا، من يظن أن إخراج الزكاة أو حتى الصدقة مجرد عبء يتخلص منه بأسرع الوسائل والطرق الجاهزة. وبينما "يرفل" الفقراء في ثيابهم المهترئة، تقول الإحصاءات إن مجموع أرصدة الجمعيات الخيرية المحلية في العام الماضي يناهز 12 مليار ريال وإن استثماراتها في الأراضي الشاسعة وفي العقار أيضاً توازي هذا الرقم. سؤالي: هل يود أي محسن كان أن يدفع لمجرد حسن النوايا صدقاته من أجل صائم وهمي أو حتى من أجل شراء غرفة من عمارة أو متر من أرض؟!
* نقلا عن "الوطن" السعودية