هو ذات الأحد القديم. هو ذاته يوم العيد. هو ذات الأحرف الثلاثة التي تعتادها كل عام لتوقظها على أطلال الحبيب الراحل. تسع سنوات خلت منذ أن رحل عنها النصف. نصف الحياة. نصف الوزن. نصف الصور. نصف الذكريات، وحتى نصف النظر.وحتى بأجمل ما كان في الحياة، يتحول هذا الأجمل إلى جمرة ملتهبة: بين يديها، ضحى يوم العيد، مئات الصور. أعظم مأساة أننا نوثق بالصور كل تفاصيل الحياة. لم يفكر أحد للحظة واحدة كيف سيقرأ أهله بعد رحيله هذه الصور.
2) تكوم الأطفال الثلاثة في زاوية قصوى من حطام منزل بالغ الضيق. ابنتان وأخوهما الأصغر. صار الهروب لهم عادة مسائية بعيد أن يعود الأب في الهزيع الأخير من المساء وهو يفتعل مبرراً يومياً لكي ينهش جسد الأم بذات العصا التي لا يستطيع الاقتراب منها أحد. هذه العصا التي لا تغادر الدولاب. أرادت البنت الكبرى، ابنة الثامنة، أن تكسر هذا الروتين مساء صبح العيد. كتبت لأبيها لوحة ـ العيد ـ مباركة ووضعتها على باب المنزل. عله يعود ليقرأ رسالة العائلة إليه في يوم العيد. قرأها. ركل الباب بعنف أكثر من العادة اليومية. من الذي اشترى اللوحة ومن أين؟
إنها هدى من البقالة المجاورة. كانت لوحة هدى مبرراً جاهزاً لعربدة الأب على بقايا جلد الأم الشاحب. ومن الذي أذن لها أن تخرج من المنزل من أجل ـ بهرجة ـ سخيفة؟ تجيب الأم: عن أي لوحة تتحدث؟ جولة من الضرب المبرح وثلاث كلمات متتالية من أبغض الحلال في ذات اللحظة التي كان فيها مؤذن الفجر لصبح العيد يمهلها حتى الإقامة كي تغادر هذا المنزل للأبد. كانت هدى، الصغيرة ولوحدها من يدرك معنى هذه الكلمات الثلاث. ثمان سنين ولكن في هول الثمانين. تحتضن أختها وأخيها في ذات الزاوية وتحاول ـ تجفيف ـ العيون كي تشاهد الأم مغادرة للمرة الأخيرة.
نحيب يقطع أنياط القلوب، وهنا الأم تقترب من (الكومة) وهي تتحسس جلد هدى الطفولي: تفركه بأصابعها كي تتأكد أن هذا الجلد يستطيع أن يتحمل العصا في الليلة القادمة لأن هدى الصغيرة من ستقوم بذاك الدور الروتيني. نحيب. تغادر الأم مع شروق شمس العيد تلتفت إلى الباب وهناك اللوحة: كل عام وأبي بخير.
*نقلاً عن صحيفة "الوطن" السعودية