في السودان دخلت الصحافية "لبنى أحمد حسين" السجن عقوبة على ارتدائها بنطلوناً اعتبر منافياً للحشمة والأخلاق العامة، في الوقت الذي صدر في فرنسا قانون مثير للجدل يحرم ارتداء النساء للنقاب (البرقع) باعتباره مهيناً لكرامة المرأة ومنافياً لمبدأ العلمانية "المقدس" الذي تقوم عليه الجمهورية.
وجهان لحوار معقد وملتبس في سياقين شديدي التمايز حول منزلة الدين في المجال العمومي: الدولة الإسلامية التي تقنن شكل الزي المقبول بحسب مقاييس الشرع (وإن كانت من الاستثناءات القليلة في العالم الإسلامي) والدولة العلمانية الغربية التي تتبنى مبدأ التقنين نفسه "لحماية " حرية المرأة (وإن كانت الاستثناء الوحيد في العلمانيات الغربية). تحيل الحالتين الى السؤال نفسه الذي يتعلق بمدى مشروعية التدخل في حريات الناس الفردية المتصلة بقناعاتهم الذاتية باسم المنظور القيمي السائد سواء كان تقليداً دينياً أو نظاماً علمانياً (في الحالة الأولى يبدو الدين عائقاً أمام الحرية، وفي الحالة الثانية يبدو الدين إرادة حرة مقموعة).
لطرق هذه الإشكالية، لا بد من الرجوع إلى المبدأ المؤسس للحداثة السياسية ونظمها الاجتماعية والتشريعية، الذي هو مبدأ الفصل بين الوعي الذاتي الفردي من حيث هو مركز الإرادة الحرة ومجال الشأن العمومي من حيث هو إطار العقل السياسي.
لم يكن ليحدث هذا الفصل لولا تحقق مسار "الخروج من الدين" على لغة "مارسيل غوشيه"، لا بمعنى نهاية الدين كمعتقد وممارسة وسلوك، وإنما نهاية الدور الهيكلي للدين في البناء الاجتماعي كمستند للشرعية وكمرجعية للقيم الجماعية المشتركة.
فبعد المجتمعات الوسيطة التي كانت تقوم على "ائتلاف القناعات" وما يترتب عليه من انقياد وخضوع تلقائي لسلطة مطلقة تقوم على الشرعية الدينية، ظهرت في البلدان الغربية معادلة سياسية جديدة، أصبحت فيها الدولة تجسيداً للرباط الجماعي لأمة يسمها التنوع والتعددية بدل التجانس العقدي والقيمي. فالأمة من هذا المنظور تتأرجح بين حدي "ائتلاف المصالح"(أطروحة هوبز) و"ائتلاف الإرادات" (أطروحة روسو)، في ما يعبر عنه نموذج العقد الاجتماعي، الذي أطر الفكر السياسي الحديث.
فهذا العقد يتأسس على إقصاء القضايا الأخلاقية الجوهرية أي تصورات الخير الجماعي وشروط الحياة الطيبة الفاضلة من دائرة النقاش العمومي واستبدالها بالشروط والقواعد الإجرائية للعدالة السياسية. ومن هنا التمييز بين القناعات الدينية والعقدية المحورية، التي مجالها هو الوعي الذاتي الفردي والمعايير الجماعية المشتركة التي تصاغ عبر الأدوات القانونية الشمولية.
بيد أن هذا التمييز طرح منذ بداية الحداثة السياسية ثلاث إشكاليات أساسية:
-المنزلة المعيارية للقيم المدنية المكونة للعقد الاجتماعي، التي ليست مجرد قواعد إجرائية، وإنما تعكس مواقف وتصورات قيمية لا تخضع للنقاش والمساءلة. وأبرز هذه القيم هي مفاهيم الحرية والمساواة والتضامن والندية التي هي شروط العدالة السياسية ومسبقاتها. وإذا كان الفيلسوف الليبرالي الأميركي المعاصر"جون راولز" حاول أن يرجع هذه المبادئ إلى وضعية أصلية مؤسسة يختار فيها المتعاقدون بحرية وخلف "قناع جهل" المعايير الضامنة للعدالة في ما بينهم، إلا أنه انتهى إلى الاعتراف أن الوصول إلى المبادئ المذكورة يتطلب توفر أرضية ثقافية ليبرالية سابقة عليها.
- غياب الشروط الضرورية لتداول جماعي حر بين المواطنين المتعاقدين حول ضوابط الحياة الطيبة والخير المشترك. ففكرة التعاقد نفسها ليست سوى فرضية نظرية لا حادثة عينية وليست لها أطر مؤسسية موضوعية. وحتى الدساتير التي يعهد إليها بأن تضع محددات الائتلاف الجماعي للأمة، لا تصلح لأن تكون إطار هذا الحوار الجوهري الذي يتجاوز الأبعاد السياسية والقانونية. وقد استنتج الفيلسوف الفرنسي "جان مارك فري " من هذه الثغرة الخطيرة أن النموذج الليبرالي الكلاسيكي يعاني من "خلل في الاستقلالية المدنية"، بمعنى أن حرية الإنسان واستقلاليته لا تصلان إلى حد السماح له بالإسهام في الحوار حول المنظور القيمي الجوهري لنشاطه العمومي.
- استحالة التوفيق بين التصورات الذاتية الجوهرية وضوابط الإجماع القاعدي الأصلي الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي. فالأفراد المتعاقدون مرغمون على التنازل عن جوانب محورية من هوياتهم للتأقلم مع الذاتية الفردية غير المتعينة، التي هي وحدها التي يعترف بها العقل الليبرالي. ذلك هو النقد الأساسي الذي وجهه "الجمعياتيون" للتصورات الليبرالية من منطلق الدفاع عن التنوع الثقافي كحق من الحقوق الرئيسية للإنسان والأمم.
ولتجاوز هذا الخلل دعا الجمعياتيون مثل "ريتشارد تايلور" و"مايكل فازلر" إلى مماهاة الرابطة الشرعية القانونية مع الرابطة القيمية أي القيم الجماعية المشتركة لمجموعة متميزة ثقافياً ودينياً، بحيث تعكس التشريعات هذه القيم المتقاسمة. بيد أن الإشكال الذي تطرحه الرؤية الجمعياتية هو أنها تقوض الكيان الاجتماعي، ولا تلائم المجتمعات الحديثة التي تسمها الفردية والتعددية.
ومع أن فلاسفة ما بعد الحداثة لا يتبنون الطرح الثقافي الشمولي للجمعياتيين، إلا أنهم يتفقون معهم في رفض منطق الدولة الليبرالية الكلية، وينادون بالفصل بين الإطار الإدماجي للدول والفضاءات الاختلافية المشتتة الحرة التي يعبر من داخلها الأفراد والشبكات عن تصوراتهم الذاتية وخياراتهم الحياتية، في ما هو أشبه بالفضاء الإلكتروني الرحب، الذي لا حدود له، ولكن لا نقاش حقيقيا فيه، وإنما مجرد تجاور وتعايش بدون احتكاك.
يرى "فري" أن هذا النموذج الاختلافي ليس سوى حالة طوبائية غير متعينة، ويتمثل خطره في حرمان المجتمع من المؤشر الأخلاقي لتصادم المشاريع المعيارية في الفضاء العمومي (أي ما يتيحه المقارنة بينها من نتائج إيجابية في توجيه الاختيار ).
في مقابل هذه "البدائل" الوهمية، يطرح الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس" خيار الديمقراطية التداولية، أي خيار "الإجماع عن طريق التصادم" بدلا من "الإجماع التوفيقي"، الذي يتحدث عنه "راولز". فميزة الخيار التداولي هي أنه يسمح بتجاوز التصدع الذي عانت منه الحداثة السياسية منذ بدايتها بين القناعات الفردية (الدينية على الأخص) والعقل السياسي العمومي، بتمديد الحوار الجماعي إلى التصورات والمرجعيات المعيارية، التي كانت مقصية في الدائرة الأخلاقية الفردية. وهكذا تعود المعايير الدينية إلى المجال العمومي، تعبيراً عن حق القناعات الفردية في الخروج إلى ساحة النقاش الجماعي العلني، وتعميقاً للحوار المجتمعي في مقوماته المحورية الجوهرية. يعود الدين للشأن العام ليس كسلطة هيمنة مطلقة، وإنما كمكون أساسي من مكونات الحوار العمومي. فما يهم النموذج التداولي ليس التعبير عن الإرادة المشتركة، وإنما مسار تشكل هذه الإرادة الذي تسكت عنه المدرسة الليبرالية الكلاسيكية، التي كرست انفصام الفرد المعاصر بين قناعاته الفردية وحقوقه المدنية.
* نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية