علـى رغــم الفظــائع التي مر بـها الفلسطيــنيون، ومع اســتمرار الســياسات التوسعية الاستيطانية الإسرائيلــية وغيـرها، إلا أن هـناك بوادر إيجـابية تحــمل على التفاؤل والأمل بدأت تلــوح في ســماء الفلسطــينيين. وما أعنيه بهذه البوادر ليس إشارة إلى تطورات خارجية مثل الجهود المستــمرة التي تبــذلها واشنطن من أجل إحياء عملية الســلام الإسرائيــلي/ الفلسطيــني، أو تزايد ضــيق الاتحاد الأوروبي من ســياسات التوسع الاستيطاني التي تصر عليها إسرائيل. فهذه التـطورات الخارجية مـهمة دون شك، ولكن لا يقل أهمية عنها ما يحدث داخل صفوف الفلسـطينيين أنفــسهم. وتشير هذه التطورات الداخلية بالذات إلى توجه فلسطيـني فيه استقواء وتحرير للذات عن طريق المقاومة.
إنني أعني تحديداً بهذه البوادر انعقاد مؤتــمر «فتـح» الأخير وخطة العامين المقترحة لوضع حد للاحتلال الإسرائيلي والإعلان عن قـيام الدولة الفلســطينية المســتقلة، وهي الخطـة التي أعلـن عنــها رئيس وزراء الحــكومة المؤقتة، سلام فــياض. وإلى ذلك كله تضاف التظاهرات الشعبية الأســبوعية التي تنظم قريباً من الجدار الإسرائيلي في قرية بلعين.
وبينما يشير المنتقدون إلى سلبيات ذلك المؤتمر وعيوبه، إلا أن مجرد انعقاده في التراب الفلسطيني يعد إنجازاً كبيراً في حد ذاته. وهناك من عاب عليه انعقاده تحت ظروف الاحتلال، وهذا صحيح بالطبع، إلا أن «فتح» تمكنت من استغلال المساحة التي وفرتها الظروف الأخيرة والضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل، لتنظيم مؤتمرها وعقده، وانتخاب قيادة جديدة ملتزمة بإنهاء الاحتلال.
وينبغي النظر إلى خطة العامين التي تقدم بها رئيس الوزراء سلام فياض باعتبارها عملا مقاوماً بحد ذاته. وقد أصاب فياض في تأكيده قدرة الفلسطينيين وحاجتهم الماسة إلى بناء مؤسساتهم المستقلة ـ على رغم وجود الاحتلال ـ التي يتعذر بدونها قيام دولتهم المستقلة. وإنه لمن صميم المقاومة أن يتمكن الفلسطينيون من بناء الهياكل والمؤسسات المستقلة الشفافة الخاضعة للمحاسبة والمساءلة، بحيث تتمكن هذه الهياكل والمؤسسات من توعية الشباب وتوفير الأمن والتعليم والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى دفعها للنمو الاقتصادي وتصريف شؤون الحياة اليومية للمواطنين.
كما تكتمل هذه الجهود بتنظيم التظاهرات الأسبوعية ضد الاحتلال في قرية بلعين. ففي هذه التظاهرات ما يقدم نموذجاً ملموساً لقوة التعبئة الجماهيرية، إلا أنه لا بد من تعزيزها وتوسيع المشاركة الشعبية الفلسطينية فيها، بما فيها حركة «فتح»، كي تتخذ صفة التعبئة الجماهيرية بالفعل.
ولكن يلاحظ أن الانتقادات الموجهة إلى هذه الجهود انصــبت على اتهــامها بأنــها تخلت عن حقوق الشعب الفلسطيني. والحــقيقة أن هذه الانتـقادات أخطأت هدفها. ذلك أن منتقدي جهود المقاومة السلمية هذه لم يفهموا معنى المقاومة من أساسها، وسعوا إلى تكريس صنمية العنف، ما دام العنف بالنسبة لهم هو المعنى الوحيد للمقاومة. بل إن المقاومة فعل سياسي أعمق وأكبر كثيراً من القنابل والصواريخ. على أن العنف كثيراً ما أفسد معنى المقاومة وشوهه.
ذلك أن المقاومة تفهم في معناها الحقيقي على أنها تطبــيق استراتيجي للتــكتيكات الهادفة إلى مناهضة القهر، وهي عملــية تؤدي في نهاية الأمر إلى التحــرر من القــهر والظلم. وعليه فإن تكتيكات المقاومة العاجزة عن تحقيق أهدافها الاســتراتيجية، أي إلى تعزيز قبضـة القهر والظــلم بدلا من التــحرر منه، تعـد عاجزة وفاشلة. وعلى عكــسها تعمل التكتيـكات التي تعزز قوة الجـماهير وتدفعها باتـجاه التـحرر النهـائي من الـقهر، وهي تكتيكات ناجعة وفعالة بالطبع. ويفهم إذاً أن التكتيكات لا يمكنها أن تكون غاية في حد ذاتها. وهذا ما يدفعني إلى القول دائماً إن المقاومة القائمة على العنف لا تؤدي إلا إلى طريق مسدود.
وتبقى وحدة الصف الفلسطيني في الضفة الغربية وقــطاع غزة عاملا حاسماً تستحيل بدونه إقامة الدولة الفلسطينية. فلن تقوم لهذه الدولة قائمة ما دام البــيت الفلسطيني منقسماً على نفسه. وعلى رغم صحة الانتــقادات الموجهة للاحتــلال من وحــشية وبربرية في تعامله مع الفلسطينيين وسلب لحقوقهم وأراضيهم، إلا أن رفض ــحركة «حماس» الاعتراف بعدم جدوى وسائل وأساليب عملها، لا يمــكن وصفه إلا بأنه ضرب مؤسف من ضروب تدمير الذات. وقد آن للفلسطينيين أن يدركوا أن عليهم شق طريق جديد لمقاومة الاحتلال.
*نقلا عن "السفير" اللبنانية